كان البحار في مخيلتنا الطفولية، مرادفاً لشخصية «بو باي» من الرسوم المتحركة، بثيابه البيضاء التي لا تتسخ أبداً، وعضلاته المفتولة بفعل كميات السبانخ الكبيرة التي «يبتلعها». لكن في زمن الرشد تتحول الشخصيات التلفزيونية إلى رجال من لحم ودم، في لونهم الأبيض التقليدي الذي يطال حتى الأحذية.
البحارة هم فئة ثالثة من الناس، تضاف إلى نوعي الموتى والأحياء، كما يقول مثلهم المعروف: «الناس ثلاثة أنواع: أحياء وأموات وبحارة» إذاً، هم يقفون في منتصف الطريق، في قلب البحر يبتعدون عن أهلهم لأشهر طويلة كفيلة بتفكيك الكثير من العائلات، كثيراً ما تستضيف دبي هؤلاء الرجال. ربما لا نميزهم في الاختلاط المدهش لجنسيات العالم. لكن ربما يمكن الالتفات لاحقاً إلى من يحملون الملامح الايطالية، بلكنتهم الجميلة، وعيونهم التي تحمل سحر ليل ميلانو، مئتان واثنان وأربعون بحاراً ايطالياً كانوا، حتى أول من أمس، «يرابطون» في ميناء راشد في دبي على متن السفينة «ليباتشيو» بانتظار أوامر الإبحار. تشارك السفينة الإيطالية، ضمن قوات التحالف الدولي، المؤلف من الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، التي تجول في المياه الإقليمية لمراقبة عمليات تهريب الأسلحة والممنوعات.
تعريف
يجهل الناس عادة مهمات هؤلاء الأجانب، فتقف بزاتهم البيضاء حاجزاً بينهم وبين العامة. لذلك، نظم المسؤولون زيارة إعلامية إلى متن السفينة، «لنشرح للعالم أننا نعمل مثلهم، وأننا لسنا مختلفين عنهم بشيء»، كما يقول القائد في البحرية الإيطالية بيارباولو ريبوفو.
بدأت رحلتنا البحرية في الثامنة صباحاً، لتمتد ست ساعات كاملة، فلا تنتهي قبل الرابعة مساءً، رافقنا خلالها جيف برسلو، قائد البحرية الأميركية وضابط الشؤون العامة.
انطلقنا من ميناء راشد في دبي، حيث كانت السفينة متوقفة، لنقلع معها في رحلتها التي تستمر أسبوعين كاملين، يمضيها الطاقم على متن «مدينة عائمة»، تطوف بهدوء متربصة بأية عمليات غير شرعية.
تدوم مهمة السفينة عادة أربعة أشهر في المياه الإقليمية المقابلة للإمارات، إضافة إلى فترة شهر آخر هي الزمن الذي يستغرقه وصول السفينة إلى الدولة. على هذا المنوال، تعمل في الإمارات ثلاث سفن إيطالية على مدار العام، بمعدل سفينة كل أربعة أشهر.
وقد غادرت «ليباتشيو» الميناء في شمال ايطاليا في شهر مايو الماضي، في مهمة تستمر حتى شهر سبتمبر المقبل، لتصل إلى بلادها في أكتوبر. وليست هذه الرحلة الأولى للسفينة في الخليج، إذ كانت في مهمة سابقة في البحرين ومسقط، ومنها إلى دبي، ثم إلى أبو ظبي وجبل علي.
على متن السفينة، استقبلنا الضابط أندريا تامبورانو، وهو مهندس أسلحة والمسؤول الإعلامي، وواحد من قلّة يتقنون اللغة الإنجليزية. تعارف سريع، وندخل إلى غرفة الاجتماعات، التي ستكون محطتنا الثابتة للراحة. تم تجهيز القاعة بذوق كلاسيكي رجولي، مع الحرص على الطابع الفني المحيط، من خلال اللوحات الفنية الموزعة بدقة على الجدران.
تضم القاعة جهازي تلفزيون من الحجم الكبير، تم تثبيتهما بأحزمة طويلة، لمنع الانزلاق نتيجة حركة السفينة الدائمة. وتعيش في هذه القاعة، أيضاً، سمكة متوسطة الحجم، في حوض مجهز بالهواء وأعشاب الزينة. ربما كانت هذه من الأسماك القليلة التي تعيش فوق البحر، لا فيه.
على الطاولة مجموعة من الصحف، بينها دليل سياحي باللغة الإيطالية عن دبي، تتصدره صورة «برج العرب» ومدينة جميرا، بما يدل على حداثة النسخة المعتمدة. يتوفر أول اختبار للطعم الإيطالي أمامنا من القهوة الإيطالية التي عُرضت علينا، وبينما «خاطر» البعض، اكتفى البعض الآخر بتناول شراب «مجرّب»، كالكابتشينو، تحضره أيدٍ ايطالية.
أول الرحلة
يتولى أندريا تقديم تعريف سريع عن السفينة، لنتوجه بعدها إلى الخارج، لمتابعة عملية الإقلاع. للوصول إلى الخارج، كان علينا تسلق ثلاثة أدراج متتابعة للطبقات الثلاث التي تشكل القسم الثاني من السفينة.
حينها، كان التعارف الأول مع الدرجات الصغيرة، التي يبدو كأنها تقلصت إلى حدها الأقصى، للاستفادة من المساحة المتوفرة، وإفساحاً في المجال أمام تجهيزات أخرى، يمكن أن توضع في المكان المتاح. إذ يفتقد العاملون هنا ترف المساحات الكبيرة، والمعدات والتجهيزات ذات الأحجام الكبيرة من دون هدف محدود.
نقف على المتن لنشاهد البحارة العاديين من دون الرتب، بثيابهم الكاكية اللون، وجواربهم العالية، التي تصل إلى حدود الركبة، وهم يفكون مرساة السفينة، في حركة استعراضية متناسقة. بعد الوقوف خارجاً لفترة قصيرة، في شمس الصباح اللاهبة، تبدأ الأجسام بالتعرّق، وتظهر المحارم الورقية لتمسح الجباه الرطبة.
حين يجتمع عدد من الرجال في مكان واحد، ويكون بعض الحاضرين من الجنسية الإيطالية، فلا بد من تحول وجهة الحديث إلى سياقها الطبيعي، أي كرة القدم. فينقسم الحاضرون بين فريقي «جوفنتوس» و«انترميلان». فيشير أندريا إلى المفارقة الإيطالية، بأن مدينة تورينو، التي هي منشأ فريق جوفنتوس، تضم أكبر نسبة مشجعين لفريق ميلان الخصم.
يبدأ دوار البحر بالتسلل إلى الرأس العاري في الشمس، وما زال الحديث عن الكرة. بعدها، ستكتشف أن هذا الدوار سيلازمك طيلة فترة الرحلة. نعود إلى الداخل، حيث نصادف بحارة آخرين، برتب مختلفة، لا يمكن التمييز بينهم إلا من خلال أشرطة ملونة على أكتافهم. فالأشرطة البنية لمهندسي الأسلحة، الذين يعملون على تجهيزها ويحرصون على جهوزيتها، أما الشريطة الحمراء فتعود للعاملين في هندسة الميكانيك، وأخيراً «الأسود» للمسؤولين عن الإبحار.
بين أميركا وإيطاليا
كان وجود الضابط جيف الأميركي محفزاً لإجراء مقارنة بسيطة عن الإجراءات المتبعة في كل من البحرية الأميركية والإيطالية بشكل عفوي، فهي المرة الأولى، منذ سنة 1993، التي يتواجد فيها جيف على سفينة أصغر حجماً من السفينة الأميركية التي تعوّد عليها.
تعمل السفينة الأميركية في المياه الإقليمية المقابلة لمملكة البحرين، لكنه هنا في زيارة قصيرة، يعود بعدها إلى قاعدته، يظهر جيف حباً كبيراً للبحرين، حتى أنه يتمنى موافقة مسؤوليه في البحرية على البقاء فيها لمدة عامين أو ثلاثة، وإن كان هذا الاحتمال مستبعداً. رغم ذلك لا يزال يتمسك ببعض الأمل، لأنه «يحب البلاد وناسها».
خلافاً للأميركي جيف، لم يعرف أندريا الإيطالي سفينة غير «ليباتشيو»، فقد حضر إليها لإنهاء فترة تدريبه لثلاثة أشهر بعد إنهاء الأكاديمية البحرية وعلى الرغم من توقه للعودة إلى بلده، إلا أنه يظهر حبه لدبي، يراها «أجمل مدينة خليجية» زارها، ويجد فيها تنوعاً كبيراً في الثقافات، يجعلها شبيهة بمدينة لندن الإنجليزية.
يتحدث جيف عن حصول تبادل أحياناً بين البحارة الايطاليين والأميركيين أثناء التدريبات، للاستفادة من الخبرات المشتركة. وتبدو هذه الصفة الوحيدة المشتركة بين الاثنين، ثم يختلفان على معظم الأشياء الأخرى. وكمثال على ذلك، يعتمد نظام البحرية الإيطالية صفة التخصص في المهمات، فيبقى الشخص المناسب في المكان المناسب له.
أما الجيش الأميركي فله فلسفة أخرى، تقول على مبدأ التداول والتناوب، بحيث تتاح الفرص أمام مختلف المسؤولين للعمل في تخصصات مختلفة، من خلال تبادل المهمات مع بعضهم البعض. أما الفرق الثاني، فيبدو «ظاهراً» جداً، إذ يتعلق بالمظهر الخارجي لكل من الجهتين.
إذ يسمح الجيش الإيطالي، ومنه البحرية، بأن يطلق البحارة شواربهم ولحاهم، وأيضاً تطويل الشعر للذكور لحدود مقبولة نسبياً. أما الجيش الأميركي، فقد منع إطلاق اللحى والشوارب بعد حرب فيتنام، لقابليتها لأن تتشرب المواد السامة، كما أنها تمنع تثبيت الخوذة على الرأس بالشكل المطلوب.
في الحياة اليومية
يمضي البحارة أسبوعين متواصلين في المياه الإقليمية، ما يعني عدم إمكانية الخروج إلى أي مكان. لذلك، يهتم قائد السفينة بالعمل على تأمين وسائل ترفيه محدودة، يحكمها صغر المساحة المتوفرة. ولا يوجد مكان مخصص لممارسة الرياضة على سطح السفينة، لذا، يعمد الراغبون، إلى تحويل مكان هبوط الطائرة المروحية في الجهة الخلفية من الطائرة إلى مكان لممارسة الهرولة، في فترات عدم تواجدها. ويتوفر للمهتمين، نادٍ رياضي «مصغّر»، لمن يرغب من البحارة بالاهتمام بلياقته البدنية.
أما في فترات رسو السفينة على الميناء، فيسمح للبحارة والعاملين فيها بالخروج إلى المدينة، والسهر حتى الساعة الثالثة صباحاً، قبل العودة إلى النظام العسكري مجدداً.
ولأن «مزاج البحار الجيد هو مفتاح النجاح»، كما يقول القائد ريبوفو، فيتم تأمين اتصالات البحارة بأهلهم، من خلال هواتف عبر الأقمار الصناعية، وهي مجانية خلال يوم محدد، على ألا تزيد مدتها على العشر دقائق. كما تتوفر على السفينة وسائل الاتصال والإعلام، من فاكس وانترنت، وأيضاً القنوات التلفزيونية الفضائية.
لا تعمل الفتيات على متن السفينة، إذ لم تمر سوى خمس سنوات على السماح لهن بالالتحاق بالبحرية الإيطالية. لذلك، ينوي المسؤولون إدماجهن بنسبة 20% من عدد العاملين الذكور بشكل تدريجي، وصولاً إلى المساواة الكاملة.
بعد الزيارة الثانية لغرفة الاجتماعات، وفيها شاهدنا فيلماً قصيراً عن تجهيزات السفينة وقدراتها، عدنا إلى السطح للمرة الأخيرة، لنشاهد ما يشبه استعراضاً للقدرات العسكرية للطاقم، من خلال تنفيذ عملية إنزال من الطائرة على سطح السفينة الموقوفة.
في طريق العودة، نمر على «الغرف السرية» في السفينة، أو ما يسميه القائد «قلب وعقل» السفينة. وهما حجرتان منفصلتان، جهزت كل منهما للعب دور أساسي في عمل الهيكل الضخم.
يتولى العاملون في غرفة «القلب» مهمة معرفة إحداثيات السفينة، وعمل محركاتها وحرارتها، إلى جانب تولي نظام الحماية الذي يتولى الدفاع عن السفينة في حال تعرضها للهجوم. ورغم الأجهزة العالية التقنية الموجودة هنا، إلا أن العاملين لم ينسوا تعليق «الثوم»، كنوع من التقاليد لجلب الحظ السعيد.
تنتهي جولتنا، لكن لا ينتهي اليوم مع الإيطاليين بدون تناول غداء من الـ «باستا» الإيطالية، اللتين يحضّرهما طباخ السفينة، في إحدى وجبتي الغداء التي يحضرها يومياً، لعدم قدرة جميع العاملين على الاستراحة في وقت واحد بعد الوجبات الثلاث، يبقى أمام الطباخ تحضير قطع من البيتزا «الليلية» للعاملين لوقت متأخر، تقدّم عند الساعة الواحدة فجراً.
كتبت: لميس حطيط