ماري أنج بوكاسا أميرة لم تخرج من صفحات الكتب، ولا من خزائن الأساطير الشعبية المتداولة شرقاً وغرباً فلا هي «أليس في بلاد العجائب» أو «شهر زاد» و«نورزاد» و«مهرزاد»، إنما أميرة من الزمن الراهن، قدر لها أن تروي اليوم حكاية، تبدو للوهلة الأولى، أكذوبة تاريخية حديثة لا تتلاءم مع التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي حفل بها الربع الأخير من القرن العشرين.
لكنها كيفما بدت، تظل أكثر من حقيقة تعيش بيننا لتروي حكاية الأميرة كيكي التي ولدت ماري أنج بوكاسا، في سنة 1975، كما يكشف جواز سفرها الذي أعطى لها بعد أيام على ولادتها وفيه: الاسم ماري أنج بوكاسا، المهنة: أميرة، اسم الأب جان بيريل بوكاسا، اسم الأم الداجداي، وختم جمهورية أفريقيا الوسطى، وإذا خلت صحافة هذه الفترة وإعلامها المرئي والمسموع، وكما جرت العادة في تناقل أخبار السيدات المخمليات، من أي خبر مثير عن إلدا جداي سوى كونها ابنة المليادير اللبناني في حينها أدريان جداي، صاحب كازينو لبنان والعديد من المؤسسات السياحية والمصرفية، فإنها وهي بعد في الثامنة عشرة من عمرها، سرعان ما احتلت عناوين كبريات الصحف اللبنانية وأفريقيا الوسطى حين اختارها بوكاسا شريكة حياته، والشراكة «النسائية» تحمل معناها الخاص جداً للامبراطور الكاثوليكي ـ وبالتالي فقد جاء زواجه «بقرار إمبراطوري» ورفض كنسي مطلق، كما فعل امبراطور فرنسا نابليون بونابرت.
وزواج بوكاسا وإلدا كان حديث الصحافة والإعلام لأسابيع طويلة، وكان وليد الصدفة وهكذا شاء القدر. التقى الامبراطور، وكان في قمة أمجاده عروسه الحسناء في باريس وكانت برفقة والدها. سرقت قلبه وألهبت أحاسيسه وراح يبادلها الرسائل، إلى أن تم النصيب وسط احتفالات لم تشهد مثلها أفريقيا الوسطى من قبل.
ويبدو أن المفاجآت كانت رفيقة بوكاسا غير أن أكثر المفاجآت رؤيته لابنته «ماري أنج» التي غادرته طفله، بعد 18 سنة، ما أعاد الاثنين إلى ذكريات ربما كانت عبرت حياة الامبراطور المغامر سياسياً ونسائياً.
القابع في الإقامة الجبرية محروماً من كل حقوقه المدنية والمادية، لكنها بالتأكيد استقرت في لا وعي الأميرة الصبية التي نشأت برعاية خالتها التي سمتها «كيكي» دلعاً، بينما اهتمت والدتها إلدا بتأمين حياة العائلة، بعدما أعلن جدها المليونير إفلاسه القسري.
والمرارة التي يأبى الرجل الثمانيني استعادتها، كما ابنته إلدا، ولدت لدى ماري أنج شغفاً بالحياة، تماماً كما شغف جدها بالكفاح ومواجهة التحديات حتى بنى امبراطوريته المالية، في حين تصر حفيدته على بناء امبراطورية لا تذوب، بحيث تصب كامل اهتماماتها وجهودها لمساعدة الأطفال.
وأسأل «ماري» أنج: ألم تخافي هذا اللقاء وقد عرف عن بوكاسا القسوة والعناد، كيف كان اللقاء وما سبقه من تحضيرات؟. قالت: «حملت من والدي العناد والمغامرة. عندما كنت أتطلع في المرآة، أرى بعض ملامح والدي، ولم أكد أجد فيه سوى الطيبة. أنا صادقة في ما أقوم به. تزوجت عن حب مصمم الأزياء فادي ديب ورزقت بابني الوحيد جان ماري.
وعندما أدركت فتور الحب بيننا أجبرت زوجي واتفقنا على الطلاق، ومازلنا حتى اليوم صديقين مقربين، وكذلك حالي مع أهل زوجي. وربما أعطاني ذلك الأب الذي عشت معه فترة لا تتعدى الشهر الواحد، الثقة الكبيرة بالنفس، حيث أجدني قادرة على مواجهة التحديات.
قد أنجح أحياناً وأفشل أحياناً أخرى لكن مشواري مشدود أبداً إلى الأمل، ولولا ذلك لما تمكنت من تحقيق رغبتي بلقاء والدي وأنا أجهل صورته ومكان إقامته والمفاجآت،التي قد تواجهني أكان ذلك من سلطات أفريقيا الوسطى أم من سلطة والدي المغلوب على أمره».
والحديث يطول عن مغامرة اللقاء قبلها وخلالها وبعدها. توضح ماري أنج: «عارض أهلي بشدة ما أرمي إليه، خصوصاً جدتي. هذا حقها، فهي التي تمكنت من انتشالي من أحضان والدي حين كنت بعد طفلة. كانت شخصية قوية، قادرة على مواجهة بوكاسا بالمحبة والحيلة معاً. أدركت ببصيرتها النافذة أن مؤامرة تجري في البلاد لقلب نظام الحكم والإطاحة برأس بوكاسا. أخبرت والدتي بذلك ودعتها إلى الهروب قبل فوات الأوان.
عناد بوكاسا جعله يرفض كل هذه الادعاءات، حين أصرت والدتي على مغادرة البلاد، سمح لها بالسفر شرط بقائي معه. ربما خاف أن يخسرها إلى الأبد. غادرت والدتي في حين أكملت جدتي خطتها المحكمة حتى تمكنت من إقناع الامبراطور، حيث التقينا في باريس ومن بعدها عدنا مباشرة إلى لبنان».
هكذا حصل وداع بوكاسا وغابت على أثره كل الاتصالات. «سنوات مرت وأنا أسمع حكايته ولا أراه. اختفى خلف الأسوار والأسرار. كنت الأميرة التي تأبى أن تكون غير ذاتها». مثل زميلاتها في مدرسة الراهبات الأنطونيات، ثم في المدرسة الإنجيلية وانتقالها إلى جامعة اللوزية لدراسة الهندسة الداخلية، وانتقالها إلى دراسة العلوم الإنسانية في جامعة الكسليك قبل انتقالها إلى باريس لمتابعة دراستها بفعل الحرب الأهلية اللبنانية.
والحقيقة أن ماري أنج لم تنس والدها طيلة هذه السنوات، صحيح أن العائلة كانت تمتنع عن الحديث عنه في حضورها، وإن فعلت فباختصار شديد، لكنه كان يعيش بين ضلوعها، فهي الأميرة بوكاسا، وهو والدها شاءت أم لم تشأ، وهو الذي ملأت أخباره الدنيا لسنوات طويلة وحرمها منه لسنوات أطول... كيف لها أن تنسى كل ذلك، وكلما نضجت، كلما عصف بها الحنين لملاقاته والتعرف إلى أشقائها وشقيقاتها.
قيل لها إنهم كثر يتوزعون في شتى أنحاء العالم، وقيل لها إنه قد يتم اعتقالها في قصر مسحور. «حملت قناعة راسخة أن بوكاسا إنسان جيد، خصوصاً أن والدتي وجدتي حرصتا دائماً على إظهار شخصيته الطيبة إلى أن كان قراري بالسفر إليه. عندها تحدثتا عن شخصيته القاسية وطبعه الشرس المتملك والغيور.
حينها تساءلت: كيف يمكن لهذا الرجل أن يكون طيباً وشرساً في الوقت عينه؟ وزادني السؤال رغبة بلقائه ولو كلفني ذلك عمري. أعرف جيداً أنه ليس من السهل أن أكون ابنة امبراطور، وحياته زاخرة بالالتباسات والتهم المريعة وحتى جرائم ضد الإنسانية.
انتقلت ماري أنج إلى باريس بعدما استحصلت على تأشيرة دخول من قنصيلة أفريقيا الوسطى في لبنان، «حاولت أن أحصل على بعض المعلومات عن الامبراطور بوكاسا من جانب القنصل، لكنه كان آخر من يعرف، أو أنه كان يعرف ولا يريد الإفصاح. في باريس، تعرفت على شاب جزائري كان متوجهاً إلى العاصمة بانغي.
ومن حديث إلى آخر أخبرته بما أنا ساعية إليه. وتشاء الصدفة مرة أخرى أن الشاب كان على معرفة ببعض الشخصيات في أفريقيا الوسطى وطمأنني على أن الأمور سوف تنتهي على أفضل حال. وهذا ما حصل بالفعل. فبعد أيام قليلة من وصولي إلى بانغي، عرفت أن بوكاسا يعيش في «فيلا ناصر» التي سبق أن شيدها لنفسه وأعطاها اسم ناصر احتراماً للرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر.
وتتابع ماري أنج الحكاية: وصلت أمام الفيلا المسيجة، كان كل شيء هادئاً ولا يوحي بأن ساكنها كان في وقت من الأوقات امبراطور البلاد. طرقت الباب الخارجي، فخرج أحد الحراس يسألني عمن أكون وماذا أريد. أخبرته أنني ماري أنج ابنة بوكاسا. أغلق الباب في وجهي بشدة وعاد بعد دقائق يدعوني للدخول. رأيت بوكاسا الامبراطور العظيم رجلاً عادياً يهرع نحوي ويعانقني بدموع ساخنة.
كنت ابنته الوحيدة التي عاشت في ذاكرته ولم ير لها وجهاً منذ 18 سنة، أخبرني عن مدى اشتياقه وصلواته الدائمة لرؤيتي. عرفني على اثنين من أشقائي هماجان بول وجان لوغران، وأخبرني أن بقية أشقائي يتوزعون حول العالم.
أمضيت شهراً معه. كان معزولاً تماماً عن العالم، يصلي دائماً أو يمرر أوقاته بالعناية بما زرعه في حديقة الفيلا، وعندما نتحادث كنت أشعر باهتمامه الكبير بمستقبلي، متمنياً أن أنهي دراستي والعودة إلى أفريقيا الوسطى للاستقرار فيها».
لكن ماري أنج لم تمتثل لأي من الطلبين. عادت إلى لبنان لتتزوج وتنجب وحيدها جان ماري وتطلق، ولتتابع مشوار حياتها مع الرسم التشكيلي «الذي اخترته للتعبير عن ذاكرة اللاوعي عندي.
فلا أعيش وعياً يشبه حكاية أميرة أسطورية. فوالدي كان امبراطوراً أسطورياً توج نفسه بنفسه، وجدي كان امبراطوراً مالياً صنع ثروته ببراعته وذكائه، والاثنان انتهيا إلى المصير نفسه. وحتى لا أكون نسخة طبق الأصل عن أي منهما، قررت تكوين امبراطورية تقوم على العطاء الحقيقي وحيث لا قدرة لأحد على الانقلاب ضدها».
وقد وجدت في الرسم متنفساً أبعدني عن الواقع الذي أعيش فيه، وكذلك مدخولاً محترماً يمكنني من متابعة مشروعي لمساعدة الأطفال المرضى في لبنان ومن بعد في أفريقيا الوسطى، فأعوض بذلك ما اقترفه والدي من ذنوب من خلال أطفال شاء قدرهم أن لا يولدوا أمراء وأن يصيبهم المرض وأن يكونوا فقراء..
وقد يكون لكل من هؤلاء حكاية تخفي حكايات كثيرة، تكتبها ماري أنج حروفاً أو ترسمها «سورياليات» في كتاب «كيكي، المرأة الحيوانات والنباتات» الموقع ماري أنج بوكاسا ديب، وفيه رسائل تشكيلية تكشف عن فنانة مرهفة شفافة شاء قدرها أن تكون أميرة فشاءت أن تكون الإنسان بأجمل الصور.
بيروت ـ فيوليت غبرو