سمعت آخر نكتة؟» عبارة تقليدية يتداولها الناس الذين يبحثون عن الفكاهة والطرافة في حياتهم. «النكتة» كلمة تطلق على العبارات التي تدفع سامعها وقائلها إلى الضحك، وترتبط بفكرة جاهزة تأتي على درجات متفاوتة بين الماجنة أو الساخرة أو تلك التي تنطوي على مغزى عميق.

ويمارس الناس»التنكيت» للتعبير عن ردودّ أفعالهم في أحوال الفرح أو الغضب، وللتعبير عن مواقفهم تجاه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لذلك نرى ان السخرية كثيراً ما تنصب على الداخل لتنتقد الواقع المعاش في بلد ما.

تُحاك النكات غالباً عن الشخصيات الوهمية مثل «جحا»، أو الحقيقية مثل المغنية «هيفاء وهبي»، أو عن المجتمعات كأهلِ منطقة معينة، وأحياناً كثيرة تستهدف البلدان بعضها بعضاً في الاستهزاء والنكات لأسباب سياسية أو اجتماعية. وفي هذا المجال، يعّير الانجليز الفرنسيين بضعف قدراتهم العسكرية، فلا يجد الفرنسيون سوى البلجيكيين لجعلهم «ضحية» نكاتهم.

ونتيجة للأساطير التي يتناقلها الناس في أحاديثهم، فقد أصبحت بعض المجتمعات منتجة للنكتة، وعلى سبيل المثال ليس هناك مصدر موثوق يبيّن أصل النكتة «الحمصية»، بينما تقول الحكاية الشعبية الرائجة ان «الحماصنة» (سكان مدينة حمص في سوريا) استطاعوا، في مشهد تمثيلي، التغلب على جيش تيمورلنك الذي غزا مدينة حلب .

وفَتَك بسكّانها، قبل ان ينتقل إلى حمص للهدف ذاته، ليجد في استقباله سكان المدينة، وقد ارتدوا أزياء غريبة، وقد غطوا وجوههم بالغرابيل، ففوجئ جيش التتار بأهل حمص وتهريجهم، ما جعله يفكر ان غزو مدينة كهذه مضيعة للوقت. ومن هنا كُتبَ لأهل حمص تاريخ جديد مع الطرافة، وبات «الحمصي» تلك الشخصية الوهمية التي لا تنضب النكات عنها.

وتتغير شخصيات النكات باستمرار، فيختفي نجم ويلمع آخر أكثر مواكبة للعصر من جهة ظروف حياته ولغته ومفاهيمه. وفي الغالب تبيّن النكات النظرة الذكورية إلى المرأة، ذلك ان الثقافة الشعبية بوصفها إشارة عن «اللاوعي الجمعي»، تعتبر المرأة قاصراً.

ففي بعض بلدان المشرق العربي، وقبل ان يسطع نجم هيفاء وهبي، كانت هناك مجموعة من الشخصيات أبرزها «أبو عبد البيروتي» وصديقه «أبو صطيف» الذي يخونه مع زوجته. وعُرف عن «أبي عبد» رجولته التي صارت في النكات أضحوكة.

واللافت ان غالبية النكات القديمة يعاد تكرارها حين تبرز شخصية جديدة وتنسب إليها. فالكثير من النكات التي قيلت عن هيفاء، رددها الناس قديماً عن «أبي عبد». وفي مرحلة أخرى، برزت شخصية «الزغرتاوي» (نسبة إلى بلدة زغرتا اللبنانية الشمالية) الفكاهية التي يتندر الناس بطباعها الحادة والجبلية. فالزغرتاوي في النكتة هو ذلك الريفي الذي لا يجد حلاً لمشكلاته سوى في إطلاق الرصاص.

ونلاحظ ان كل الشخصيات تنبع أهميتها من أهمية المنطقة التي تنتمي إليها، إلا أن هيفاء وحدها التي كسرت القاعدة التقليدية، ولم تأت من مجتمع بل من فرديتها وجمالها، ولذلك يجتمع حول شخصيتها الكثيرون، حتى صارت نكاتها بلا هوية.وإذا كان اللبنانيون يفاخرون بحسهم الفكاهي ومرحهم، فالمجتمع المصري يجعل من كل شيء نكتة، في الفرح وفي العزاء.

والكلام عن المجتمع المصري يجعلنا ندخل في الجانب السياسي من النكات، فعلى الرغم من أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ينتمي إلى صعيد مصر، فإن ما أغضبه من النكات المصرية لم يكن ما يغضب «الصعايدة» بل الجانب السياسي، لا سيما ما أشيع منها بعد نكسة عام 1967. ورغم الوجود القوي للأجهزة الاستخبارية في عهد عبدالناصر فقد كان يتقبل النكتة السياسية ويعتبرها انعكاساً لذكاء المواطن المصري.

وإذا كان الكثير من رؤساء الأنظمة مادة للنكات، فإن رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل، كان صانع نكتة بامتياز، ونكاته تنم عن ذكاء وشراسة، سواء بالنسبة لنجوميته أو علاقاته بالنساء.

لكن الدعابة تأثرت كما غيرها من الفنون بمميزات العصر ولاسيما بعد دخول التقنيات كالانترنت، والمفاهيم العصرية كالعولمة والقرية الواحدة، وباتت الدعابة فناً قائماً بذاته كفن الكاريكاتير الذي استقل بنفسه، وأصبح لها مواقع مستقلة على الانترنت، وخطوط سياسية عامة أو تقنية.

بيروت ـ محمد زيدان: