سباق التفوق المغلوط .. يسلب بهجـة الصغار ويحرمهم أموراً أخرى

يقع تركيز الآباء والأمهات بمجرد إلحاق أبنائهم بالمدرسة، على تفوقهم الدراسي والحصول على أعلى الدرجات، دون النظر إلى أي أمور أخرى تخلق منهم شخصيات أكثر فائدة للمجتمع من نظرائهم المتفوقين دراسياً، معتقدين أن ذلك يضمن لهم مستقبلاً باهراً وحياة مليئة بالنجاح، إلا أن الدراسات العلمية تؤكد أن تلك القناعة تعيق تمتع الأبناء بطفولتهم، وتحد من قدرتهم على تطوير الذات بصورة فردية، خاصة وأن الكثير من أولياء الأمور يريدون أن يصبح أطفالهم عباقرة منذ الصغر وحسب.

 الأمر لا يقتصر على حرص الآباء على حصول أبنائهم على الدرجات النهائية في المواد الدراسية، بل يصرون على أن يمتد التفوق إلى الألعاب الرياضية، والعزف على الآلات الموسيقية، بحيث أصبح الجدول اليومي للطفل، لا يختلف كثيراً عن برنامج رجل الأعمال، فيستمر 14 ساعة أو أكثر يومياً في أشغال لا حصر لها.

أحد الاختصاصيين النفسيين وصف الحالة التي تنتاب أولياء الأمور بفخ «سباق الأوائل» إذ يحولون حياة أطفالهم إلى ما يشبه المباراة الطويلة من أجل إحراز المرتبة الأولى. وكل هذا يقع على حساب قدرة الطفل النفسية والذهنية، فحرص الأب على نجاح ابنه وحصوله على معدل جيد يجعل الطفل مشتّتاً ومنهكاً، غير قادر على مواصلة المشوار بفعل الضغط النفسي الذي يقع تحت طائلته.

ويؤكد الاختصاصي منذر جعفر أن فرض بعض الأهالي على أطفالهم تحقيق الطموح الذي عجزوا عن الوصول إليه في طفولتهم، وإرغامهم على تعلم أشياء لا يحبونها أو تحويلهم إلى نماذج مصغرة، من الممكن أن يصيبهم بالانهيار أمام هذه الضغوط، فيصاب بعضهم باضطرابات عقلية، ويؤدي ذلك إلى كبت المشاعر عند جزء آخر وإلى تزايد شعوره بالخوف، ما قد يدفعه إلى الانتحار أو الانقطاع تماماً عن الدراسة لمجرد أنه لم يحقق ما كان يرجوه منه والداه.

 مخاطر التزمت بقصد التفوق

 كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون بريطانيون النقاب عن أن التنافس الشديد بين الوالدين في تربية الأبناء بطريقة تربوية بحتة في سن مبكرة قائمة على الحفظ وتحصيل المواد الدراسية وخالية من المرح ومشاعر الأسرة الدافئة، إضافة إلى إهمال ممارسة الأنشطة الترفيهية البسيطة، فإن ذلك يسلب البهجة والفرحة من الأبناء خاصةً في مرحلة الطفولة.

وقال الباحثون: إن العديد من الآباء والأمهات يُخضعون أبناءهم لدروس مسائية وخاصة في عطلة نهاية الأسبوع، بالإضافة إلى أكثر من 40 ساعة من العمل المدرسي والأنشطة الصيفية، مما يؤثر على استمتاعهم بمرحلة الطفولة بطريقة طبيعية مثل أقرانهم.

وأضافوا أن أولياء الأمور يحرصون على متابعة أبنائهم من الناحية الدراسية منذ عمر ثلاث سنوات، بالاستفسار والاستعلام من المعلمين عن كل ما هو مطلوب لجعل الأطفال قادرين على تحصيل أعلى النتائج والدرجات من خلال امتحانات قبول المدارس.

هستيريا

 يُحذّر رالف دافيرز عالم أبحاث المخ في جامعة «إرلانغن» الألمانية من أن هذه الضغوط على الطفل، قد تتسبب في إلحاق أضرار كبيرة به، ويرى أن بعض الأهالي قد وصلوا بالفعل إلى «مرحلة الهستريا الكاملة»، فهم يتصورون أن طفلهم إذا لم يتقن السباحة في عمر ثلاثة أشهر، والإنجليزية وعمره ثلاث سنوات، إنه سيصبح إنساناً فاشلاً.

كارثة

 يرى ميشائيل فينترهوف، عالم طب نفس الأطفال بجامعة «بون»، أن بعض أولياء الأمور يفهمون معنى التربية بشكل خاطئ، وبدلاً من أن يعتمدوا على إحساسهم الداخلي، وفطرة الأمومة والأبوة، أصبحوا في توتر مستمر، وينقلون هذا التوتر إلى أطفالهم، واعتبر أن سلوكهم وصل إلى (وضع الكارثة).

إحباط

 الصعوبات التي يواجهها الطفل في تحصيل علومه، قد تكون أحياناً نفسية محضة، رغم تميزه بطاقة ذكائية متفوقة، لكن الإحباط الذي يصاب به، نتيجة ظروف نفسية ربما يعيق عملية التحصيل. إضافة إلى ذلك هناك سببان إضافيان يساعدان على تدني مستوى تحصيل الطفل ودراسته، وهما الضغط النفسي الذي يتعرض له، سواء في البيت أو المدرسة، وحاجته إلى العاطفة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات