تجمع العديد من الدراسات والبحوث، على أن التنشئة الاجتماعية للأبناء، تعد من أهم مصادر الضبط الاجتماعي لمكافحة العنف الطلابي، نظراً لما تؤديه من أدوار متباينة تجاه أفرادها وتجاه المجتمع، وتدريب الأفراد على الالتزام بالسلوك السوي.
فالطفل يتأثر بوراثة والديه التي لا تنتهي بالمولد، ولكن تحت بند التقليد والمحاكاة، خصوصاً بالنسبة للفئات العمرية التي تقع بين السنوات (3- 7) وهي السنوات التي يبدأ فيها الطفل في اكتساب أنماط وقيم ومعايير مجتمعه الأخلاقية التي تتشكل من خلالها سمات شخصيته، بل وأفعالها وردود أفعالها تجاه المواقف والتجارب المختلفة.
إنتاج المنزل
وتبين هذه الدراسات أيضاً أن العدوانية لدى الأطفال في سن ما قبل الدراسة، ترتبط بمتغيرات عدة، منها ثقافة الأسرة والعلاقات الوالدية داخل هذه الأسرة، وبين الطفل وأحد الوالدين، إلى جانب الشعور بعدم الأمان وعدم الثقة أو الشعور بالنبذ أو الإهانة أو التوبيخ، والشعور بالغضب، وتعلم العدوان عن طريق النموذج، ثم الغيرة والشعور بالنقص، كلها عوامل مكتسبة، يساهم في تنميتها الوسط الأسري.
الطالب العنيف في رأي المختصين، هو طفل خائف، فاقد للإحساس بالأمان، وغالباً ما يعيش في جو عائلي متشنج، وربما هو طفل غير سوي نفسياً. فالطالب العنيف لم تنتجه المدرسة، إنما أتى من المنزل باستعداد مكتسب للعدوانية، مرتبط بأساليب وطرق خاطئة، تتم داخل أسوار البيوت، فالعنف ينتقل عبر مراحل عمرية متسلسلة.
وهو ينتقل من الأسرة إلى الأطفال، ثم إلى المدارس ثم إلى الجامعات. وفي الجامعات يصل الطلبة العنيفون جاهزين للعراك والاشتباك والمشاركة في المشاجرات. فالأرقام المتعلقة بالعنف الأسري تؤكد أن 35% من الأطفال يتعرضون للعنف داخل الأسرة، وأن 16% منهم يمارسون العنف على زملائهم في المدرسة.
التحكم في العدوانية
وأشارت دراسة أخرى إلى أن التنشئة الاجتماعية من الممكن أن تلعب دور الوسيط في التحكم في العدوانية، من خلال توجيه الفرد نحو ما هو آمن ومناسب، عن طريق معرفة متى يجب عليه أن يثور أو يغضب، من أجل تجنب موقف معين.
وبالتالي يحافظ على نفسه، ومتى عليه أن يبدي سلوكه العدواني عن طريق التحكم فيه. وحسب بعض العلماء؛ فإن للكائن الحي القدرة على الاحتفاظ بمثيرات العدوان التي تتراكم حتى تصل إلى مستوى التوتر الذي يؤدي بها إلى المسلك العدواني.
وإذا صح هذا الرأي فإن معالجة مثل هذا السلوك العدواني تتطلب أن نجد مسلكاً بين الحين والآخر، لتفريغ تلك الشحنة العدوانية حتى تحول بينها وبين التراكم. وقد تكون بعض ألعاب الأطفال هي المسلك المناسب لتفريغ الشحنة العدوانية، لو أحسن اختيارها خلال تنشئة الطفل اجتماعياً.
حقائق ودراسات
يؤكد الدكتور جمال شفيق، الأستاذ بمعهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس، أن مشكلة «العنف» لدى الأطفال إنما هي سلوك معقد ومركب، ولا يمكن إرجاعه إلى عامل واحد.
وهناك مجموعة عوامل نفسية واجتماعية مرتبطة بشكل أساسي بهذه الظاهرة، من أهمها مؤسسة الأسرة التي لا تحتضن الصغير بالشكل المناسب، وتستخدم أساليب القسوة في التربية، وعدم السماح للأبناء بالتعبير عن احتياجاتهم ومتطلباتهم، إلى جانب التفرقة في المعاملة بين الأبناء. والسخرية من عيوب الطفل ونواحي النقص الموجودة في شخصيته وأسلوب حياته.
يقول أحد التربويين في تشخيصه لظاهرة العنف، إن هناك عوامل عدة تؤثر في استخدام أسلوب العنف بين الطلاب، منها العمر ودخول مرحلة المراهقة وإثبات الوجود، إذ يشعر الطالب بأنه أصبح كبيراً، فيجسد هذا الشعور في شكل سلوكيات عنيفة.
كما أن هناك أفكاراً ثقافية واجتماعية تجعل السلوك العنيف أساساً للتفاخر والتباهي بين الطلاب، إلى جانب أن عدم المبالاة بالقوانين يشعر بعض الشباب بالتفاخر أيضاً، كما أن الشللية وجماعة الأصدقاء تساعد بشكل كبير على تدعيم السلوك العنيف، فالطلاب يدعم بعضهم بعضاً في مثل هذه السلوكيات.
بينت دراسة بحثية حديثة نفذتها الباحثة السعودية علياء القحطاني عن ظاهرة العنف المدرسي بين الطالبات بالمرحلة الثانوية، أن من أهم الآثار السلبية لظاهرة العنف المدرسي كراهية الطالبات لمجتمع المدرسة (71.3%)، ثم كراهية الطالبات لبعضهن (68.2%)، إضافة إلى ضعف شخصية الطالبات (64.7%)، إلى جانب انتشار المشكلات الأخلاقية (62.1%)، وأخيراً التسرب من التعليم في مختلف المراحل التعليمية بنسبة 20.5%.
