راشد محمد راشد طالب إماراتي في الصف الثاني عشر، في مدرسة رأس الخيمة الثانوية. تبدو ملامحه عادية مثل آلاف الطلاب المنهمكين في تحصيل العلم، غير أنه وبتأكيد معلميه والمحيطين به، طالب استثنائي، شديد الذكاء، يلحظ المتخصصون فيه علامات النبوغ. فقد استطاع منذ مراحل تعليمه الأولى تطويع علم الرياضيات وترويضه، حتى أنه بات يعده الآن جواده الأسود للتخصص في علم الطاقة النووية.
الذي يحلم بدراسته. لدى راشد أحلام كثيرة، وقد استثمرت «العلم اليوم» مناسبة حصول هذا الطالب الواعد على فضية أولمبياد الرياضيات الخليجي، الذي عقد مؤخراً في العاصمة العمانية مسقط، لإجراء هذا الحوار معه، وسألناه بداية، عن سر حبه لمادة الرياضيات التي يهرب منها الكثيرون، وكيف روّضها، وما يتطلع إليه مستقبلاً، وأسئلة كثيرة عن المناهج، والبيئة المدرسية، والموهوبين، ودور المعلم في اكتشاف الموهبة، ومسؤوليات ولي الأمر والمدرسة.
قبل تحديد السؤال الأول للحوار، بادر راشد محمد راشد، قائلاً: سر التفوق في علم يقال إنه من العلوم الصعبة والمهمة، يعود إلى سياسة التطوير المتكامل، التي تشتمل على تطوير المقرر الدراسي، وطرائق التدريس، وأساليب التعلم، وأداء المعلم نفسه داخل الفصل، وهو ما لمسته داخل المدرسة.
وقد أحببت الرياضيات في سن مبكرة من حياتي، حتى أصبحت هوايتي الأولى. فهي المادة الدراسية الوحيدة التي لا تستغرق وقتاً في مذاكرتها، حيث يكفي فهمها واستيعاب دروسها في دقائق، شريطة التركيز في مفاهيمها الأساسية.
لكن علم الرياضيات في حقيقته صعب، ويحتاج إلى كثير من التركيز؟
الرياضيات ليست بهذه الصعوبة التي يرددها الطلبة، واستيعابها يحتاج إلى تركيز وفهم. وبإمكان أي طالب التدريب على ذلك، وإتقان مهاراتها بسهولة، ولن تحتاج مذاكرتها وقتاً طويلاً للفهم أو الاستيعاب، مثل سائر المواد التي تستدعي الحفظ.
مسألة التفوق في علم أو مادة دراسية ما، يعود إلى درجة ذكاء الطالب، وموضوع الذكاء غاية في الأهمية من دون شك. لكن الأساس هو الإقبال على المقرر الدراسي بشغف، من دون تبرير عدم المذاكرة والاجتهاد في أن هذه المادة وغيرها صعبة، كما يردد بعض الطلبة.
منذ متى وأنت تشارك في المسابقات العلمية والأولمبياد المتخصصة في علم الرياضيات؟
بدأت مشاركتي في مرحلة التعليم الأساسي، في العديد من المسابقات والمنافسات التي حصلت فيها على المراكز المتقدمة والأولى. أما الأولمبياد، فهذه المرة الثانية لي خلال المرحلة الثانوية، حيث حصلت في الأولمبياد الماضي الذي عقد في الدوحة على الميدالية البرونزية، وفي أولمبياد العام الجاري الذي عقد مؤخراً في مسقط، حصلت على الفضية.
لنخرج من حيز الرياضيات إلى مجال الموهبة الواسع، ماذا يفعل الطالب إذا ما شعر بموهبته؟
على الطالب الذي يشعر بأن لديه موهبة ما، أن ينمي ذاته، وأن يظهر ذلك للمحيطين به، خاصة المعلم الذي يمكن أن يكون له الدور الكبير في تنمية هذه الموهبة، وتعزيز قدرات الطالب.
فضلاً عن نصائحه وتوجيهاته التي ستكون مفيدة، كما أن على الطالب خوض المسابقات، لأن ذلك سيحفزه كثيراً على تنمية موهبته وتطويرها. والموضوع هنا ليس هو الفوز والميدالية، وإن كان ذلك مهماً، لكن الأهم من وجهة نظري هو إدراك الطالب لذاته وقدراته، والبدء في رفع مستوى هذه القدرات، ولذلك آثار إيجابية واسعة على حياته التعليمية، ومستقبله.
الطلبة بحاجة إلى مزيد من الرسائل المقنعة والمحفـــــــزة دراسياً
راشد، لديك تجربة تميز تستحق الذكر؛ ماذا عن البيت وما مسؤولية ولي الأمر، فهو المكتشف الأول لموهبة الابن. هكذا يفترض؟
نعم. ولي الأمر والبيت بشكل عام، تقع عليه مسؤولية كبيرة في تنمية وعي وإدراك الابن، ومن ثم اكتشاف مواهبه الخاصة ورعايتها. والحديث عن دور المعلم أو المدرسة، لا يعني أن المسؤولية الأولى يتحملها ولي الأمر. فهو الذي يكتشف مواهب الابن في سن صغيرة، ربما قبل المدرسة، وهنا عليه أن ينمي ذلك في ابنه ويشجعه، ويتابعه ويوفر له البيئة المناسبة التي تمكنه من قدراته. بعد ذلك عليه أن يخبر المدرسة والمعلم بأن لدى ابنه موهبة. وهنا تتكامل الأدوار بين البيت والمدرسة، وتتحقق أيضاً مصلحة الطالب.
كنت دائماً أسمع أسرتي وهي تقول: إن رعاية البذرة يكون في البيت أولاً، وغرس قيمة التفوق في الطالب يبدأ من الأسرة. وهنا أدعو أولياء الأمور للتواصل مع المدرسة، من أجل مصلحة الابن، وعدم ترك المسؤولية كاملة على المدرسة.
ذكرك للمدرسة، يضعنا أمام دورها والسؤال عن مسؤوليتها، وعن البيئة التعليمية بوجه عام؟
نحن نحمد الله تعالى على هذا الخير الذي نعيش فيه، والذي تظهر آثاره الكبيرة في المدرسة، وما وفرته دولتنا فيها من إمكانات عالية. فالبيئة بالفعل جاذبة، ومحفزة إلى المذاكرة والنجاح والتفوق. وبعيداً عن حديث الموهبة واكتشاف الموهوبين، فالبيئة هنا بتجهيزاتها مميزة، ولا ينقص الطالب سوى الاهتمام بنفسه، والعمل على التواصل مع معلمه وإدارة مدرسته.
فالحديث دائماً عن علاقة البيت بالمدرسة، وضرورة تواصل الطرفين، وهذا مهم جداً، غير أن الأهم هو توثيق علاقة الطالب نفسه بمدرسته ومعلميه على وجه التحديد، لما في ذلك من تحقيق لمصلحته. وهذا يعود بنا مرة أخرى للحديث عن دور المعلم الذي أراه مهماً جداً جداً في حياة الطالب.
إلى أين تذهب بك أحلامك، وأنت بهذا الشغف العلمي؟
أحلم بدراسة الطاقة النووية، وأنا أعلم أن علم الرياضيات هو أساس العلوم، ومعه الفيزياء أيضاً. أحلم بإنهاء دراستي الجامعية في هذا التخصص، واستكماله بالدراسات العليا. أحلم بأن أكون عالماً في الطاقة النووية، ونافعاً لوطني في هذا المجال المهم، ومؤثراً في حركة تطوره عالمياً. وهذه الأحلام أضعها أمامي واجتهد الآن وأنا في الصف الثاني عشر، حتى أتمكن من الوصول إليها بإذن الله.
لكن أود الحديث هنا عن موضوع حيوي يخص جيلي وجيل الشباب عموماً وهو وجود إغراءات تلهي البعض عن التوجه للتخصصات العلمية. فبعض الطلبة يرى أن من السهل تحقيق المال والشهرة، عن طريق ممارسة رياضة ما، وبالتحديد كرة القدم، ومسارات أخرى كثيرة، تحقق الغرض نفسه «الشهرة والمال».
الأمر هنا يحتاج إلى توجيه الطلبة وتقديم الحوافز اللازمة لهم، للتوجه للعلم والتخصصات العلمية التي يحتاج إليها مستقبل دولتنا، والمسألة ليست هي المال وحده والشهرة، من وجهة نظري. هناك ما هو أكبر، فهناك كما قلت مستقبلنا ومستقبل التنمية، وهذا بدوره سيحقق أيضاً الشهرة والمال للشباب. لكننا نحتاج إلى رسائل تعزز هذه المفاهيم وترسخ مبادئها في عقولنا ونفوسنا.
