تظل مجالس أولياء الأمور في الشارقة فكرة تربوية رائدة، منبعها ترسيخ دعائم تعليمية أصيلة، عبر مجالس الآباء والأمهات في مدارس الإمارة، وأربع مدن تابعة لها، فمنذ مرحلة إنشائها قبل 15 عاماً، تمكنت مجالس أولياء الأمور من وضع لبنة النهوض بمعايير جودة التعليم، وتحفيز الطلبة للتعلم، والوقوف على احتياجات الميدان التربوي لسد النواقص، ناهيك عن العمل على تكامل الأدوار بين أضلاع المثلث التعليمي، وهي: البيت والطالب والمدرسة.
عن مسيرة مجالس أولياء الأمور، وآلية عملها، ودورها المكمل لباقي أركان ومؤسسات التعليم، والمعوقات التي تواجهها، التقت «العلم اليوم» الدكتور خالد بن صقر المري رئيس مجلس أولياء أمور الشارقة، لتضع بين أيديكم تصوراً تربوياً عاماً من وجهة نظر أولياء الأمور.
ما الهدف من إنشاء مجالس أولياء أمور الطلبة، وآلية الانتخاب وتشكيل اللجان؟
يعود الفضل في تشكيل اللبنة الأساسية لهذه المجالس إلى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، الذي يسعى على الدوام إلى تعزيز المسيرة التعليمية في الإمارة والنهوض بجميع مكوناتها، من خلال توفير السبل والآليات التي تدعم هذا الجانب.
ومجالس أولياء أمور الطلاب والطالبات ليست مقتصرة على إمارة الشارقة، بل لها فروع في مدن كلباء، وخور فكان، ودبا الحصن، والمنطقة الوسطى. ولهذه المجالس مبانٍ مستقلة شيدت على نفقة حكومة الشارقة، تُرفد بموازنات مالية، تغطي أنشطتها، فضلاً عن الدعم المعنوي الكبير، الذي تتلقاه من صاحب السمو حاكم الشارقة.
وقد تأسست هذه المجالس منذ فترة طويلة تتجاوز الـ15 عاماً خارج نطاق المدارس، بمعنى أن هنالك مجالس أخرى لأولياء الأمور تخص المدارس فقط. ومن مجالس المدارس تشكل الجمعية العمومية، ويتم من خلالها انتخاب مجالس أولياء الأمور الخمسة في الشارقة ومدنها، علاوة على ما تنص عليه لائحة المجالس التي تنظم عملها. إثر ذلك يتم استقطاب أعضاء من الشخصيات المحلية والمجتمعية..
وأيضاً مديري المدارس، وأعضاء من المنطقة التعليمية يُعينهم المجلس، لكي يكتمل النصاب، وعليه يتم تشكيل رئاسة المجلس وأعضاء اللجان، الذين يتواصلون مع مجلس الشارقة للتعليم، كونه الجهة المسؤولة عن عمل المجالس ومتابعة شؤونها وأعمالها، ويتلقى التقارير الدورية التي توضح كل ما تقوم به المجالس من أنشطة ومبادرات وأعمال وفعاليات، تنفذ بالمشاركة مع الميدان التربوي.
وتعكس هذه التقارير الإيجابيات والسلبيات إن وجدت، وتوضع فيها التوصيات للتشاور، وصولاً إلى نتائج تضمن أفضل المستويات المرجوة التي تدعم الميدان التربوي، وتخدم ولي الأمر والطالب والمعلم.
تلك المجالس لها أدوار مهمة نصت عليها اللائحة الخاصة بها، تضعنا في صورة أوضح للأعمال والمهام الموكلة إليكم؟
تتضمن اللائحة الخاصة في مجالس أولياء الأمور خططاً استراتيجية تعمل على تنفيذها، وقياس مدى تحققها وإنجازها من عدمه، وقد حققت خلال فترة عملها نتائج مرضية إلى حد بعيد قياساً بما هو متاح، علماً بأن جميع أعضاء هذه المجالس من المبادرين شخصياً، ويضعون نصب أعينهم غايات خدمة القطاع التعليمي في الإمارة، باذلين في سبيل ذلك الجهد والوقت، وأحياناً ما تجود به أنفسهم مادياً لدعم الميدان التربوي.
ومن الأمور التي تضطلع بها هذه المجالس، إقامة الفعاليات والأنشطة داخل المجلس، من توعية ورعاية ومتابعة، إضافة إلى العمل على إيجاد العلاج للظواهر، التي تبرز، سواء كانت صحية أو سلوكية، وإبراز دورها إعلامياً، ناهيك عن التواصل الدائم مع متخذي القرار، لتسهيل الأعمال أو تحقيق مطالب معينة، أو تأكيد وإلغاء أي قرارات تتعارض، أو تتفق مع حاجات الميدان التربوي.
وينصب اهتمامنا أيضاً على رعاية المتفوقين وتكريم المتميزين من الطلبة وذويهم وأيضاً المعلمين وإدارات المدارس، لكي نخلق أسرة واحدة فاعلة، تؤدي في المحصلة النهائية، إلى مخرجات ذات جودة عالية لخدمة وطننا الغالي.
هل يقتصر دوركم على هذه الجوانب آنفة الذكر فقط؟
كلا، بل تتعدد اهتماماتنا وطموحاتنا في مجالات أخرى ذات أطر وأفق تتسع للكثير، إذ تسخر المجالس مبانيها في خدمة الأنشطة التي تنفذها الإدارات المدرسية والمؤسسات المجتمعية الخدمية الأخرى، عوضاً عن مشاركتنا أيضاً في الفعاليات، التي تقيمها تلك المؤسسات، والتواصل المستمر معها، لتفعيل دورنا لغاية دعم توجهات الميدان التربوي، استناداً إلى اللائحة الخاصة في هذه المجالس، التي تنص على أهمية المشاركة المجتمعية.
الطلبة «أمانة المجلس»..
والمدارس الحكومية أفضل من « الخاصة»
ماذا عن مشاركة أولياء الأمور وسواهم في القطاع التعليمي، في مجالس أولياء أمور المدارس أو مجالس المنطقة؟
عبر تجاربي العديدة مع المجلس، لمست ضعفاً في هذا الجانب، ونسبة حضور أولياء الأمور لا تزال غير مرضية وهشة، وتحتاج إلى مزيد من التحفيز، وذلك يكون عبر توعية الجميع بأن مساندة العمل التربوي خدمة سامية، يقدمها الفرد لمجتمعه ووطنه، وعلينا جميعاً المساهمة في ذلك.
الأغلبية تمتلك هذا الفكر، لكن الأمر يظل مرهوناً في مدى الاستعداد والانخراط في العمل الجاد، والدؤوب في سبيل خدمة العمل التربوي. ومن هذا المنبر أدعو إخواني أولياء الأمور إلى المشاركة في مجالس أولياء الأمور في المدارس بداية، حتى يتم استقطابهم لاحقاً للعمل في مجالس أولياء الأمور الخمسة، التي تدعم مجالس المدارس، وتزيد من دافعية الطلبة نحو التحصيل الدراسي، وأيضاً لكي نظل على تماس مع العاملين في المدارس والبيت، لإيصال رسالة مهمة وهي: «الأبناء أمانة لدينا».
هل يقتصر الأمر على ضعف نسب الحضور والمشاركة، أم أن هناك أموراً أخرى تعيق عمل مجالس أولياء الأمور؟
في حقيقة الأمر، الأعضاء العاملون في المجالس مجتهدون في أداء واجباتهم، رغم أن فترة عطائهم متباينة، والمعضلة الحقيقية، تتمثل في أن البعض يأتي للعمل في المجلس رغبة في ذلك، ومن دون سابق إنذار يترك عمله فجأة، وهذا الأمر يتسبب في إرباك خططنا وبرامج عملنا. نحن نقدر وضعهم ونعذرهم في ذلك، نظراً لالتزاماتهم المتعددة.
ولا بد من التأكيد هنا أن على من يلتحق بمجالس أولياء الأمور، الالتزام بالحضور والمشاركة في اللجان بشكل مستمر، إلى حين انتهاء فترة العضوية، التي تستمر ثلاثة أعوام، الأمر الذي نفتقده كثيراً في ظل الغياب، وعدم تقيد البعض.
من خلال معايشتكم لواقع المدارس، ما أبرز المعضلات التي لمستموها، وكيف تعاطيتم معها؟
بحكم عملنا مع المدارس بشقيها الحكومي والخاص، توصلنا إلى أن الميدان التربوي فيه فجوات متعددة ومتباينة. وفي هذا الإطار عمدنا إلى التواصل مع وزارة التربية والتعليم ومجلس الشارقة للتعليم بقصد إيجاد الحلول الجذرية لتلك المعضلات التعليمية..
ومن الإشكاليات التي رصدناها ما يتعلق بهيكلية المبنى المدرسي ومواصفاته، وأمور تتصل بالمعلم، واحتياجات الطلبة المختلفة. وقد أسهمت العلاقة الوطيدة مع الوزارة في إشراكنا بفاعلية، من خلال رسم السياسات والوصول إلى حلول مفيدة، وإيجاد مناهج تعليمية تخدم أهدافنا التعليمية.
ما الأذرع التي تستندون إليها في التواصل مع المدرسة وأولياء أمور الطلبة؟
لدينا أربع لجان تتواجد في المدارس وتختص بالشؤون الإعلامية والتربوية والأنشطة، وأخيراً الجانب المالي. ويصب عملها مجتمعة في خدمة أولياء الأمور والتواصل معهم باستمرار، عن طريق زياراتنا لهم في البيوت أو حضورهم إلى مقر المجلس، علاوة على التواصل مع أبنائنا الطلبة، من خلال دعمهم وتشجيعهم وتحفيز دافعيتهم نحو التحصيل الدراسي، إلى جانب تنظيم المحاضرات وورش العمل،..
وحث الطلبة على الالتزام بثوابت أخلاقية، مثل طاعة الوالدين، واحترام المعلم، والالتزام بتعليمات الإدارة المدرسية، والأخذ بالمشورة، واحترام زملاء الدراسة، والمحافظة على المال العام، والابتعاد عن السلوك غير الحسن.
هل ترى في عقاب الطالب المخطئ ركيزة أساسية لتصويب نهجه، وما دوركم في ذلك وقناعاتكم الراسخة للتعامل مع تلك الحالات؟
نعتبر أبناءنا الطلبة الثروة الحقيقية، ونحرص دائماً على إيصال هذه الرسالة إلى الجهات والمؤسسات المجتمعية الأخرى. والطلبة يقعون ضمن فئات سنية مختلفة، سن ما قبل النضوج أخطرها، كون تلك الفئة معرضة لارتكاب أي سلوك يتنافى مع واقعنا وعاداتنا وقيمنا المجتمعية، لذا، فإن الأسلوب الأنجع للتعامل مع تلك الفئة هو الاحتواء وليس العقاب..
وذلك من خلال التعاون مع المؤسسات المجتمعية الأخرى، فالمبدأ الذي ننتهجه في أي حالة ترد من جهات أخرى شرطية أو غيرها، هو عدم الوصول بالطالب إلى مرحلة قد تنهي مسيرته التعليمية وتقلق مستقبله. وهناك تنسيق في تحويل مثل هذه الحالات إلينا، حتى نعالج أساس الخلل والعمل على توعية الطالب وإنضاج فكره، ومن ثم تحييده عن تكرار الخطأ، ويظل العقاب حلاً أخيراً، بعد استنفاذ جميع الحلول المتاحة.
ما رأيك في التعليم الخاص والحكومي في حال أجرينا مقارنة بينهما للخروج بتصور عام عن ذلك الذي يقدم أداء أفضل ومخرجات تعليمية عالية الجودة؟
لا نفرق بدورنا بين المدارس الخاصة أو الحكومية، فهما صنوان يكملان الأدوار المنوطة بهما، إذ لدينا في المجلس أعضاء من المدارس الخاصة، ونسعى دائماً إلى التواصل مع المدارس الحكومية والخاصة على حد سواء، لمتابعة الطلبة وذويهم ومناقشة قضاياهم، وصولاً إلى التوافق والانسجام، بما يحقق احتياجات أبنائنا في تلك المدارس.
وفي ظل وجود كم هائل من أبنائنا الطلبة في مدارس القطاع الخاص، سواء من المواطنين أو العرب، يظل اهتمامنا متواصل عبر بناء جسور، تبقينا على تماس مع المدارس الخاصة.
وإذا دققنا النظر في نتائج الثانوية العامة للعام الدراسي الماضي، سنلحظ أن مدارس القطاع الحكومي حققت نتائج أكثر تميزاً في نسب الأوائل ودرجاتهم العلمية العالية، وهذه المفاضلة بكل تأكيد ليست بقصد الانتقاص من قدر وأداء المدارس الخاصة، إذ نحن على يقين بأنها حريصة تماماً على جودة التعليم ورفع المستوى التحصيلي للطلبة.
المكتب التنفيذي
أكد خالد بن صقر المري أن مجالس أولياء الأمور الخمسة لا تعمل منفصلة، بل ثمة روابط تجمعها، وأهداف مشتركة تسعى إلى تحقيقها.
وفي هذا السياق يوجد مكتب تنفيذي للمجالس، تتمثل مهمته في توحيد الخطط الاستراتيجية وتنفيذها. وأضاف: تحرص المجالس على التواصل الدائم من خلال عقد اللقاءات المنتظمة، لأغراض تنظيم الفعاليات المشتركة، والتشاور في القضايا التي يختص بها الميدان التربوي، وإيجاد الحلول التي تتوافق مع سياسات القيادة الحكيمة، وتنفيذها على أرض الواقع بصورة مشرفة ومرضية.

