تبقى مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، أحد الحصون المهمة والأخيرة، لأولئك الذين لفظتهم الحياة عنوة، وعصفت بهم مظاهرها، ليجدوا أنفسهم وما كانوا يتطلعون إليه من أحلام وإن كانت بسيطة في مهب الريح، أو في مواجهة غير متكافئة مع قسوة أقرب الأقربين.

من الصعب أن نوجز رسالة المؤسسة في حروف أو جمل متراصة، فما تقوم به من أدوار إنسانية ومجتمعية، يمس جروحاً غائرة، في قلب كل من يرى أن الحياة لا بد أن تكون أكثر رحمة ورأفة بنا. وهذا ما تعمل على تحقيقه مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، التي تتحدث عنها عفراء البسطي المدير التنفيذي لمؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال في هذا الحوار مع «العلم اليوم»:

 هل لك أن تعرفينا بالخدمات التي تقدمها مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال؟

تقدم مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، العديد من البرامج والخدمات المجانية للنساء والأطفال، بهدف حمايتهم ووقايتهم من كل أشكال العنف والإساءة. ومن أبرز تلك الخدمات:

الإيواء الآمن للحالات الطارئة التي يتم تحويلها من مختلف الجهات في الدولة، والحالات التي تبلّغ عن العنف والإساءة ضدها وتواجه تهديداً يشكل خطورة على سلامتها، والتي تشمل خدمات الرعاية تحت إشراف فريق عمل متكامل على مدار الساعة، بالإضافة إلى توفير جميع الاحتياجات من مأكل ومشرب وملبس ومواصلات وأنشطة ترفيهية وغيرها.

وهناك مجموعة من الخدمات الاجتماعية التي تشمل إجراء دراسة حالة اجتماعية، وتحديد خطة دعم متكاملة تساعد الحالة على تخطي المشكلات والأزمات التي تمر بها. وتقدم هذه الخدمة من قبل اختصاصيات اجتماعيات مؤهلات ومدربات على تقديم الخدمة وفق أعلى المعايير.

أما الخدمات النفسية فتتمثل في جلسات العلاج الفردي والجماعي، ومجموعات الدعم النفسي، والعلاج باللعب، التي تقدمها الاختصاصيات في الإرشاد والعلاج النفسي والاجتماعي. في حين تتيح الخدمات التعليمية للمؤسسة فرصة تعليم الأطفال الذين يتم إيواؤهم في المؤسسة، سواء أكان الطفل بمفرده أو برفقة والدته، كما يتم تنظيم دورات وبرامج علمية وثقافية مختلفة للضحايا من النساء والأطفال، مثل دورات اللغات والحاسوب الآلي وغيرها.

وتقدم المؤسسة، الخدمات الصحية لكل المقيمين بصورة مجانية، بالتعاون مع هيئة الصحة بدبي، والخدمات القانونية، حيث توفر المؤسسة خدمة الاستشارات القانونية لدعم الحالات وتوجيهها لآلية التواصل مع الجهات القانونية والقضائية في الدولة، وتعريفها بالحقوق القانونية والشرعية وبالآليات الصحيحة للسير في الإجراءات القانونية، مثل رفع الدعاوى وفتح البلاغات. كما تم التعاقد أخيراً مع مكتب محاماة، تستطيع الضحية من خلاله رفع الدعاوى في المحكمة وتمثيلها قانونياً من قبل المحامين، للمرافعة ومتابعة القضايا في جنبات المحاكم..

بالإضافة إلى المتابعات الخاصة بالمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والمؤسسات الخيرية والقناصل والسفارات، لتنفيذ خطط دعم الحالات، والأنشطة والخدمات الترفيهية، حيث يعمل القسم على إقامة فعاليات وأنشطة موجهة، لتنمية الجوانب الشخصية والاجتماعية والمهنية والحياتية، بالإضافة إلى الأنشطة الحرة داخل المؤسسة وخارجها.

كيف تتعرفون إلى حالات التعنيف الأسري، وما السبل التي تنتهجونها مع الأسرة أو الجهات الأخرى للحد منها؟

نتبع في المؤسسة آلية واضحة في التعرف إلى حالات العنف الأسري والعنف ضد الأطفال، منها: آلية التحويل من المؤسسات والجهات الحكومية وغير الحكومية، مثل: (المدارس، والمستشفيات، والنيابة..

ومراكز الشرطة، والمؤسسات، والسفارات والقناصل، وغيرها من الجهات)، أو الحضور الشخصي للحالة، لطلب المساعدة، أو الاتصال عبر الخط الساخن (800111) والإبلاغ عن الحالة، سواء اتصلت الحالة بذاتها أم تم الإبلاغ عن حالة العنف من قبل الأهل أو الأصدقاء أو الجيران، أو عن طريق الإبلاغ عن الإساءة عبر البريد الإلكتروني: info@dfwac.ae، أو help@dfwac.ae.

50%

 أكدت البسطي أن المؤسسة ومنذ تأسيسها عام 2007 وحتى أواخر 2013، تعاملت مع 294 حالة، منها حالات داخلية تم توفير إيواء لها، وحالات خارجية تم تقديم النصح والإرشاد لها من قبل المختصين في المؤسسة، وجاءت الإساءة العاطفية واللفظية في المرتبة الأولى من حيث الحالات التي تم التعامل معها وبلغت 171 حالة، تلتها الإهمال والحرمان، ومن ثم مشاهدة العنف المنزلي، ثم الإساءات الجسدية والجنسية.

واحتل الآباء المرتبة الأولى في الإساءة للأطفال بنسبة 50%، والأمهات المرتبة الثانية 16%، ومن ثم الأشقاء والشقيقات، بالإضافة إلى إساءات واعتداءات متفرقة من الأقارب، وأفراد آخرين من أصدقاء العائلة.

الإساءة العاطفية واللفظية والإهمال والحرمان..ما تعريف العنف في تصوركم؟ والحالات الأكثر شيوعاً في مجتمعنا؟

اعتمدنا على تعريف خاص للعنف والإساءة ضد الطفل في المؤسسة، للإشارة إلى كافة أشكال العنف وأنواعه التي يتعرض لها الطفل، سواء كان في محيط الأسرة أو في المجتمع بشكل عام.

وأنواع العنف التي يتعرض لها الأطفال، هي: العنف الجسدي، والعنف العاطفي واللفظي، والإهمال، والعنف الجنسي، ومشاهدة العنف الواقع بين أفراد الأسرة. ومن خلال الحالات الواردة إلينا، فإن أكثر أنواع العنف شيوعاً بين الحالات هي: الإساءة العاطفية، ثم الإهمال والحرمان، ويليها العنف المشاهد، ومن ثم الإساءة الجسدية، فالجنسية.

من الطبيعي أن يقع العنف في أسرة مفككة، في ظل وجود زوج أو زوجة أب، ولكن الغريب ظهور العنف من الأبوين، فما السبب في ذلك؟

أسباب العنف ضد الأطفال من قبل الوالدين كثيرة قد يدركها الآباء أو لا يدركونها، وتمارس تحت مسميات التأديب والتربية، ظناً من الوالدين بأنها هي الأسلوب الأنسب في تربية الأبناء، وضبط سلوكهم وحمايتهم من الوقوع في الانحراف.

ومن هذه الأسباب والمبررات للإساءة للطفل: جهل الوالدين باحتياجات الأطفال الأساسية والنفسية، وجهلهم بالأساليب والمهارات التربوية المناسبة لتنشئة الأطفال، واعتمادهم على خبراتهم وتجاربهم الشخصية والأساليب التي اتبعت في تنشئتهم، وهم أطفال. وهي أساليب لم تكن تخلو من استخدام للعنف والإساءة، إلى جانب عدم امتلاك الوالدين مهارات التحكم في النفس في حالات الغضب.

كيف يمكن للمعنّف أن يبلّغ عما يقع عليه من ممارسات؟

لدى المؤسسة خط مساعدة مجاني، لتلقي البلاغات عن حالات العنف والإساءة، هو 800111، كما تتبع المؤسسة كذلك آليات متنوعة للإبلاغ هذه الحالات، إضافة إلى خط المساعدة، بالإبلاغ عن طريق الرسائل القصيرة 5111، وعبر البريد الإلكتروني.

الآثار النفسية التي يتركها العنف في نفوس الأفراد أكثر إيلاماً وضرراً من الآلام الجسدية، فهل تمتد مسؤوليتكم لمعالجة مثل هذه الآثار؟

تعمل المؤسسة على إعادة تأهيل جميع الحالات الواردة إليها والتي عانت من مختلف أنواع وأشكال العنف والإساءة، وذلك من خلال أساليب مختلفة ومتنوعة؛ من الإرشاد النفسي والاجتماعي والعلاج باللعب. وهذه كلها تقدم على أيدي متخصصات ومؤهلات للتعامل مع قضايا العنف والإساءة، ووفق مستويات مختلفة (المستوى الفردي، والجماعي، والأسري، ومجموعات الدعم) ..

وذلك حسب تشخيص الحالة. وتستمر هذه الخدمات حتى تتعافى الحالة تماماً ويتم إدماجها في المجتمع، بعد تمكينها من اكتساب المعارف والمهارات اللازمة للتصدي لمثل هذا المشكلات. كما تتم متابعتها بعد خروجها وتلقيها الخدمات حتى 9 أشهر من تاريخ إنهاء الخدمة، وذلك للتأكد تماماً من استقرار حالتها.

إلى أي حد يؤثر التعنيف على تحصيل الطالب وسلوكه الاجتماعي، من واقع متابعتكم لظواهره المختلفة؟

مما لاشك فيه أن الطفل الذي يتعرض للعنف يعاني بعض الاضطرابات والمشكلات السلوكية التي تجعلنا نستدل عليها كمؤشرات لتعرض الطفل للإساءة، منها على سبيل المثال: العزلة، وعدم التوافق الاجتماعي مع الآخرين، والافتقار إلى الثقة بالنفس، والسلوك العدواني، وعدم الانضباط ومخالفة القوانين، والتدخين، ورفاق السوء، وغيرها من الانحرافات السلوكية التي تظهر على سلوك الطفل، خاصة في فترة المراهقة.

كما أشارت الكثير من الدراسات إلى أن هناك ارتباطاً كبيراً بين مفهوم الذات والتحصيل الدراسي. فثقة الفرد بنفسه وقدراته عامل مهم، ومؤثر في شخصيته وفي تحصيله وإنجازاته. فالطفل الذي لم تتحقق لديه الثقة في نفسه وقدراته، يخاف من المبادرة للقيام بأي عمل أو إنجاز، خوفاً من الفشل والتأنيب والعقاب.

وفي جميع الأحوال أثبتت الدراسات العلمية أن تعرض الطفل لأي نوع من أنواع العنف، يؤثر على صحته النفسية وعلى شخصيته المستقبلية.

ما الرسالة التي توجهها المؤسسة للأسرة والمدرسة والمجتمع؟

الرسالة التي توجهها المؤسسة لجميع الآباء والعاملين في حقل الطفولة، وإلى أفراد المجتمع عموماً، هي أن علينا أن نتكاتف جميعاً من أجل بناء مجتمع صحي سليم، عماده الإنسان الواعي المبتكر. وعلينا أن نؤكد على أهمية دور الأسرة ودور المدرسة ودور المجتمع، في تربية وتنشئة الأطفال، تربية سليمة خالية من العنف، تسعى إلى غرس القيم والمبادئ، وتنمية القدرات والإمكانات، وبناء الثقة بالنفس لدى الأطفال.