من خلال ملفات الطلبة، ومعايشة همومهم وقضاياهم، وأيضاً اهتماماتهم، كانت «الراصد» عيناً خبيرة، لها باع طويلة في شؤون وشجون المراحل السنية المختلفة في مدارسنا، لذا يكون «توصيف الحالة» والتشخيص،.
هما بداية العلاج، و«مشرط» الجراح الماهر في الخروج بحلول نفسية، للكثير مما تعانيه مدارسنا من إشكاليات وتحديات، تتطلب منا ابتكار «خلطة» ذكية؛ تضم مكوناتها، الكثير من الوعي والحكمة، وبعض الحسم والحزم، ومساحة من المودة والعطف والاحتواء النفسي. هذه الخلطة، هي حصاد سنوات طويلة من الخبرة، رصدنا فيها عدداً من الجوانب مع أحمد عيد موجه أول الرعاية النفسية بوزارة التربية والتعليم.
ما أخطر التحديات التي يواجهها الشباب، والسلوكيات التي تُمثل تهديداً لمستقبلهم؟
تتسم مرحلة الشباب بوجود العديد من الضغوط والمشقات، التي يتعرض لها أفراد هذه المرحلة وتجعلهم مستهدفين بالعديد من المشكلات النفسية. لعل في مقدمتها القلق، إذ يُعتبر من أخطر أمراض البشرية المعاصرة، التي تهدد الإنسان وصحته النفسية والجسدية، وتدفع به إلى أنماط السلوك المنحرف.
المدرسة بدلاً من أن تكون منارة للعلم وبانية للأجيال، قد تشهد بعض حالات الصراع بين الطلبة، كونها تضم بين أحضانها، تجمعاً تربوياً وبشرياً لأفراد مختلفين من حيث الأفكار والآراء والطباع. وهذا أمر يعتبر سبباً للتصادم بينهم، وله نتائج سيئة وضارة على المدى القريب وحتى البعيد، وفي أكثر من اتجاه.
والعنف نوعان: بسيط من نوع الشجار الناتج ربما عن سوء فهم. وهذا من الممكن أن يزول مع مرور الوقت، إلى جانب عنف شديد، ناتج عن تراكم صدامات عدة أثرت في نفس الطالب وجعلته عنيفاً ومؤذياً بشدة، وعلى أكثر من صعيد.
من خلال معايشتك، ما الأسباب التي تؤدي إلى وجود سلوك العنف بين الطلاب؟
العنف بين الطلاب أسبابه كثيرة، نذكر منها: عدم وجود وعي، أو فهم كاف عند الطالب، عن طبيعة وهدف المدرسة، وأنها تجمع علمي، هدفه العلم وبناء الذات فقط، ووجود خلل في الأساليب التربوية المتبعة في المدرسة، إذ لا نجد، للأسف هناك الاهتمام الكافي من الكوادر التعليمية بشأن تحسين العلاقة بين الطلاب داخل المدارس، وسوء معاملة بعض المعلمين للطلاب، أو عند اتباعهم أسلوب التفرقة فيما بينهم، ما يتسبب في نمو مشاعر الغيرة والكره فيما بينهم، ويقود في النهاية إلى الصدام المباشر، والاختلاف في وجهات النظر، وفي الطبائع، بما يُمكن أن يولد شرارة العنف.
والتنافس العلمي بين الطلاب أحياناً يولد مشاعر الغيرة، التي تدفع الطلبة بدورها إلى التصادم، وعدم وجود استقرار أسري، وكثرة المشكلات التي تشحن نفس الطالب وتجعله عصبياً ومضطرباً، ما يدفعه لارتكاب المشاجرات مع أقرانه للتنفيس عن الاحتقان الناتج عما يعانيه، ووجود خلافات بين الطلاب خارج محيط المدرسة، فضلاً عن أن البعض يتبع أسلوب العنف لإثبات نفسه. وهذا أمر مرده إلى وجود شعور بالنقص في نفس الطالب.
الأسباب التي ذكرتها، تقودنا إلى سؤال مهم، ماذا عن النتائج المترتبة على سلوك العنف، مع أو بين الطلاب؟
نتائج العنف عديدة، فتعرض الطلاب إلى الإيذاء الجسدي والمعنوي، يؤثر بشكل مباشر عليهم، ويؤدي إلى تدهور في مستوى ثقتهم بأنفسهم، خاصة إن كانوا هم الجانب الأضعف دوماً في الشجار، كما أنه يؤدي إلى تراجع ملموس في المستوى التعليمي للطلاب الممارسين للعنف، وتحول تركيزهم عن الدراسة إلى الشجار. هناك أيضاً، تأثر الطلاب الآخرين بعنف بعض أقرانهم، ما يؤهلهم مستقبلاً للتحول إلى طلاب عنيفين.
وقد ينتج عن الشجار خسائر مادية لكلا المتشاجرين، كأن يدمر أحدهما أشياء وخاصيات الآخر، أو يحطم بعضاً من أثاث المدرسة. والعنف داخل المدرسة يمكن أن ينتقل إلى خارجها، وعندها سيكون أشد خطراً. ولذلك ننصح بتخصيص حصص تربوية وتأهيلية للطلاب، في محاولة لتفريغ شحنات الغضب التي من الممكن أن تتواجد في نفوسهم.
جنوح الأحداث ومشكلاتهم في المجتمـــــع «تحت السيطرة»
المشكلات الزوجية والتفكك الأسري، أكثر ما يهدد الأبناء، وينعكس على مستواهم الدراسي ومستقبلهم، كيف تعالجون هذه الإشكاليات، خاصة مع أولياء الأمور؟
نقوم في هذا الصدد، بعـــقد اللـــقاءات الـــمباشرة، وتنظيم البرامــج الإرشادية لكل من الطلبة وذويهم، بهدف توعية ولي الأمر خاصة، بأثر العلاقات الزوجــــية على تنشئة الأبناء، ومساندتهم في إيجاد بيئة جـــاذبة للأبناء، وتعريفهم بأهمية العلاقة الديمقراطـــية مع الأبناء. ومن هنا يأتي دور الزوجين في حل مشكلاتهما بأنفسهما، وهناك أسس لحل المشكلات الزوجية تتمثل في:
المرونة في التفكير، واستخدام المنطق في الحوار. ومن المهم أن يتيح كـــل منهما للآخر الفرصة للتعبير عن رأيه بصراحة وموضــــوعية، بلا هجـــوم ولا تجريح، بحيــث تستهدف المناقشة، معرفة أسباب الخلاف والتغلب عليه بعيداً عن العناد والتكبر، الذي يدفع أحدهما إلى التمسك والتشبث برأيه حتى ولو كان مخطئاً فيه.
لابد أيضاً من ضبط النفس وكظم الغيظ والتحكم في الانفعالات بحيث لا يصــطدمان مع بعـــضهما بــــعضاً. ومــن الضرورة بمكان، تحمل المسؤولية الكــاملة من جانب أي من الطرفين فيما يتعلق بســلوكياته الخاطئة تجاه الطرف الآخر.
بحكم خبرتك، هل تعتبر حالات جنوح الأحداث ومشكلاتهم في المجــتمع، مسألة مقلقة تثير الخوف، أم أنها (تحت السيطرة)، وما السبيل لتحجيمها؟
هنا في مجتمع دولة الإمارات، لا داعي للقلق. إذ إن مؤسسات المجتمع المحلي، تقوم بدور كبير في علاج الكثير من المشكلات واكتشافها، سواء التي تخص الجانحين من المراهقين، أو فئة الشباب، خاصة تلك التي تتعلق بالمستوى الأمني. فالأمور والحمد لله، تحت السيطرة، وبكفاءة عالية. لدينا أيضاً العديد من المؤسسات والهيئات الاجتماعية وذات الصلة، التي تعمل على علاج وتأهيل الأحداث ورعايتهم.
في عصر العولمة، كيف نستطيع التعامل مع الأبناء، مع مراعاة طبيعة كل مرحلة سنية وحدود الرقابة أو الإشراف عليهم؟
لمعرفة توجهات الأبناء حيال أساليب وأجهزة ووسائل عصر العولمة، فلابد من الاطلاع على كل ما هو جديد في هذا المجال، خاصة ما يتعلق بالوسائط المتعددة. ومطلوب أيضاً، الاندماج مع الأبناء، ومخالطتهم ومشاركتهم في العديد من الأنشطة والتقرب منهم. والتعامل معهم بأسلوب التحبيب والترغيب، والبعد عن التهديد والوعيد. كذلك مشاركتهم اهتماماتهم عبر صفحات التواصل الاجتماعي مثل «تويتر وفيسبوك» وسواها.
ما الذي يُغذي ظاهرة «الشللية» في المدارس، وكيف نستطيع رصدها مبكراً حتى لا تتفاقم؟
لابد لنا من التسليم بأن «الشللية» ظاهرة طبيعية في جميع المراحل العمرية، وتساهم بشكل كبير في النمو الاجتماعي لدى الطلبة.
وهنا نقصد «الشللية» أو جماعة الأصدقاء الإيجابية. إما «الشللية» السلبية والتي تفرز المشكلات السلوكية، فهي لا تحتاج إلى رصد، بل تحتاج إلى نظرة تربوية، بهدف تقويم وتعديل السلوك المنتشر بين الجماعة الواحدة، إذ إن الأعراض السلبية تكون واضحة من خلال سلوك الفرد وتصرفاته، وبالتالي يجب أن يكون التدخل سريعاً ومباشراً، وقائماً على الحكمة حسب السن والمرحلة العمرية.
الطالب «المشاغب»، مشكلة أزلية تعاني منها مدارسنا، ما هي توجيهاتكم للاختصاصيين النفسيين عند التعامل مع هذه الحالات؟
نطلب من الاختصاصيين النفسيين المعنيين، تقديم برامج الإرشاد النفسي المصغر، على المستوى الفردي والجمعي، بحيث لا يزيد عدد المستهدفين على 15 طالباً في الجلسة الواحدة. وأن يكون هناك تجانس من حيث المشكلة والعمر. مع أهمية مكافأة السلوك الإيجابي فوراً.
يرى البعض أن لائحة السلوك الطلابي «رخوة» وغير رادعة للطالب، وتراها «التربية» توجيهية علاجية، أكثر منها عقابية، هل يُمكن التوفيق بين وجهتي النظر هاتين؟
أعتـــقد أن الأمر الأهم، هـــو أسلوب العمل باللائحة، وطــريقة تنفـــيذ ما جاء فيها من بنود، والتي تعتمد بالأســاس على الجانب التربوي العلاجي المدروس. ومن الأهمية بمكان أيضاً، مسألة التوفيق وحسن استخدام اللائحة، وهــي أمور ترجع إلى الشخصية التربوية التي تنـــفذها. هناك أيضاً مدى تفهم الطــــالب للائحة. فهو أمر ضروري حتى يتفاعل معها، ويتقبل بنودها.
قيم أخلاقية
يُصنف أحمد عيد، القلق على أنه أخطر ما يواجه شبابنا، ويُعرفه بأنه انفعال نفسي مركب من: الخوف، وتوقع الشر والخطر والعقاب لدى الشخص من قبل الآخرين. وهو من أخطر الأسباب التي تؤدي إلى وقوع مشكلات للشباب، لاسيما في مرحلة المراهقة. وعلى وجه الخصوص، لدى الشباب الذين نشأوا في أجواء ثقافية تفتقد إلى المُثل العليا والإيمان بالله تعالى، وتبتعد عن المبادئ والقيم الأخلاقية.
أداة تشخيص
عن مقياس قائمتي المشكلات السلوكية للفئات العمرية (5-18) سنة، الذي أعدته إدارة الإرشاد الطلابي بوزارة التربية والتعليم، ودوره في المساعدة على الحد من السلوكيات السلبية داخل الفصل، يقول أحمد عيد: مقياس قائمتي المشكلات السلوكية، يُعد أداة للتشخيص فقط. والتعرف على أنواع المشكلات. ويأتي بعد ذلك تقديم البرامج الإرشادية المناسبة، وبالتالي فهو في حد ذاته لا يستطيع المساعدة في الحد من السلوكيات السلبية داخل الفصل.

