سلام الخطاط: العنف المدرسي سلوك غير تربوي يتطلب تدخلاً حاسماً

صورة

هل تستطيع الرياضة إصلاح ما أفسده العنف في المدارس، والحد من الاعتداءات بين الطلبة، وبين معلميهم، باعتبارها ممارسات تبعد تماماً عن المبادئ التربوية والقيم المجتمعية والأعراف الدينية، التي تنبذ العنف وترفض كل درب قد تؤدي إليه، على طريق الترابط، من أجل الحفاظ على النسيج الاجتماعي الذي يميز المدرسة، ويضمن لأطرافها، التناغم والتعايش في بيئة آمنة وصحية وسليمة؟

 هذا السؤال تحديداً، كان جوهر الحضور الإماراتي في الندوة العلمية العربية، التي نظمتها اللجنة العلمية للاتحاد العربي للتربية البدنية والرياضة المدرسية، بمشاركة ممثلي 15 دولة عربية، عن «دور التربية البدنية والرياضة المدرسية في الحد من ظاهرة العنف في المدرسة العربية»، وهو أيضاً محور هذا اللقاء مع الباحث سلام محمد الخطاط اختصاصي البرامج الرياضية بإدارة التربية الرياضية، بوزارة التريبة والتعليم.

 ما التعريف العلمي للعنف المدرسي، وأشكاله؟

العنف المدرسي علمياً، هو ذلك التصرف الفردي أو الجماعي، الذي يقوم به الطلبة من الفئات العمرية كافة، خلال اليوم الدراسي، أو خلال ممارسة الأنشطة المدرسية المختلفة، ويتخذ أشكالاً عدة، فردية أو جماعية، ويندرج في تصنيفه أيضاً، استخدام الألفاظ البذيئة، إلى الإيذاء البدني الحاد، كما قد يصل إلى درجة استخدام الأدوات والأسلحة الجارحة والمؤذية..

وقد يكون العنف موجهاً ضد الغير، أو يكون ذاتياً في بعض الأحيان، كالاعتداء على سلامة البدن والتدخين، وتعاطي العقاقير المخدرة.

 ما الضرورة التي دعت إلى تناول هذه القضية عربياً؟

في الآونة الأخيرة، تزايد اهتمام خبراء التربية والمختصون، بدراسة ظاهرة العنف بهدف إدراك أهمية فهم وتفسير طبيعة وأسباب هذه الظاهرة، باعتبارها واحدة من الظواهر، التي تتفشى في الحياة الاجتماعية والسياسية بشكل ملحوظ، فلم يعد العنف مقتصراً على الجماعات الرافضة فقط، بل أصبح للأسف سمة مميزة لنمط التفاعل في الحياة العادية للأفراد.

وهذا التفاعل يكشف عن أشكال متعددة من العنف، تتجلى في مستويات عديدة، بدءاً من الأسرة مروراً بالتفاعلات العادية في الأسواق والشوارع، ووسائل المواصلات والمدارس، وانتهاءً بالتعامل مع مؤسسات الدولة المختلفة.

 هل يُصنف العنف المدرسي على أنه مرض، أم سلوك عدواني؟

«العنف المدرسي» كظاهرة؛ يُصنف على أنه أحد الأمراض الاجتماعية، أما السلوك العدواني، فهو أحد نواتج هذه الظاهرة، وهي بلا شك، مدعاة لقلق مستمر للمجتمعات، بسبب الإصابات البالغة الناتجة عنها، إذ أثبتت الإحصاءات، مقتل 17 طالباً من الفئات العمرية بين 5-18 سنة، خلال العام الدراسي 2009-2010 في أميركا وحدها.

وفي العام ذاته سجلت 828 ألف حالة إصابة غير مميتة بعمر 12-18 سنة، حدثت خلال اليوم الدراسي وداخل المدارس، إضافة إلى ذلك، فإن نسبة 7% من المعلمين سجلوا حالات إصابة بجروح، نتيجة تعرضهم لهجمات من قبل الطلبة. وهناك إحصاءات دولية مخيفة، تدين العنف في المدارس والجامعات.

 يُنظر إلى مفهوم العنف، على أنه عكس مفهوم التربية، كيف يكون ذلك؟

بالفعل، لأن التربية في جوهرها، هي عملية بناء للإنسان، وتكوين ملامحه النفسية، وإكسابه التوازن والثقة بالنفس، ولكن ظهرت مؤخراً، في مدارسنا العربية للأســـف، بعض الممارسات غير التربوية، التي يجب محاصرتها ودراستها ومعالجتها بشكل حاسم، ونحن كتربويين، علينا مسؤولية كبيرة تجاه الفرد والمجتمع..

لذا ومن خلال معايشتي اليومية للواقع التربوي، أتألم عند رصدي لانحرافات بعض الطلبة، على الرغم من أنها لم ترقَ، وفق دراسة مسحية أجريتــها، إلى مستوى الظـــاهرة، فإننا لم نكن نسمع عنـــها من قـــبل، كالاعــتداء من قبل طالب على مدرس، أو طعن طالب لزميله بسلاح أبيض أثناء مشاجرة، وكلها حالات عنف حادة، وغير مبررة.

البلوغ

صنّف الباحـــــث سلام الخــــطاط، الموجـــهات النفــــسية، التي تدفع الــــطالب إلى العـــنف علـــى شكل متـــــغيرات مـــثل: الشـــعور المتـــزايد بالإحباط، وضعف الثقة بالذات، وطبـــــيعة مرحلة البلوغ والمراهقة التي يمر بها الطالب، والاعتزاز المتزايد بالــــذات، والاضطراب الانفعالي والنفسي، والتمرد على الحياة الأسـرية، والميل إلى الانتماء للجماعة الفرعية، وعدم القدرة على مواجهة المشكلات بصراحة.

 الأنشطة الرياضية والبدنية توجه ضربة قاضية للعنف المدرسي

إثر رصد بعض حالات العنف في المدارس، وضمن إجراءات احترازية، تحرص عليها وزارة التربية والتعليم، أجرينا في إدارة التربية الرياضية، دراسة مسحية على مدارس المرحلة الثانوية، للبنين والبنات على مستوى الدولة، بهدف تحديد مدى انتشار ظاهرة العنف المدرسي، وتأثير النشاط البدني في الحد منها. وقد أظهرت نتائج الاستبيان الذي طرحته الدراسة، أن الإصابات البالغة....

والناتجة عن العنف بين الطلبة، كانت ولله الحمد قليلة جداً، إذ أقر 38% من العينة، بحدوثها بنسبة قليلة، في حين أكدت النسبة الأكبر، وهي 62% ندرة حدوثها. وهو ما يوضح أن العنف داخل مدارسنا الثانوية، منخفض كثيراً، بشكل عام. فيما أشارت النتائج حول مدى تسجيل حالات العنف المدرسي خلال اليوم الدراسي، أن النسبة الأقل وهي 14.2% أكدت حدوثها، في حين أن النسبة الأكبر وهي 57.1% أكدت أن الحالة نادرة الحدوث.

 إلى أي مدى استطاعت المدارس، مواجهة هذه الممارسات بين طلبتها؟

غلبت على الإجراءات التي اتخذتها إدارات معظم المدارس، تجاه ظاهرة العنف المدرسي، مثل المحاضرات والورش التعريفية الطابع النظري، وكانت بنسبة منخفضة. في حين أن الإجراءات العملية، والمتمثلة في برامج الأنشطة البدنية، كانت ذات نسبة عالية في التنفيذ. وتبين أن النسبة المنخفضة لتنفيذ برامج التوعية داخل المدارس، لم يكن لها الأثر السلبي الكبير..

في رفع مستوى ظاهرة العنف المدرسي، إلا أن تنفيذ البرامج الرياضية، التي تهيئ للطلبة فرص صرف الطاقة الزائدة، بشكل إيجابي، كانت بمثابة الضربة القاضية للعنف المدرسي، إذ إنها تؤثر بشكل أكبر في الحد منه. وهو ما يعكس أهمية اعتماد البرامج الرياضية، وبرامج النشاط البدني، كإجراء احترازي، ثم علاجي ووقائي، للحد من أشكال العنف المدرسي.

 وما الحقائق التي توصلتم إليها في هذا الصدد؟

استنتجنا مجموعة من الحقائق، أهمها انخفاض مستوى ظاهرة العنف المدرسي، في المدارس الثانوية الحكومية، التابعة لوزارة التربية والتعليم. وعدم فاعلية برامج التوعية ذات الطابع النظري في معالجة العنف المدرسي. وفي الوقت ذاته تأكد لدى الباحث، مدى فاعلية البرامج العملية التي توفرها المدرسة، وتحاكي النشاط البدني..

وكذلك، تصريف الطاقة الزائدة لدى الطالب بشكل إيجابي، في الحد من الظاهرة. فضلاً عن ضرورة، عدم التركيز على البرامج والمحاضرات والندوات ذات الطابع النظري، كونها لا تحقق الفائدة المرجوة، في الوقاية من العنف، إذ إن من أهم أسباب العنف، وجود طاقة زائدة لدى المراهق، لا يمكن تفريغها إلا عن طريق النشاط البدني.

 ما العوامل الاجتماعية التي تدفع الطالب إلى العنف؟

يعتبر الإحباط، أول وأهم عوامل استثارة العنف لدى الإنسان بشكل عام، بما فيه الطالب. وليس معنى ذلك أن كل إحباط يؤدي بالضرورة إلى العنف، أو أن كل عنف هو نتيجة إحباط. ولكي يؤدي الإحباط إلى العنف، لابد أن يكون شديداً، وأن يستقبل الشخص هذا الإحباط على أنه ظلم واقع عليه ولا يستحقه، أو أنه غير شرعي. أما العامل الثاني فهو الاستثارة المباشرة من الآخرين..

وقد تكون بسيطة في البداية، كلفظ جارح أو مهين. لكن يمكن أن تتضاعف حدتها لتصل بالشخص إلى أقصى درجات العنف. والعامل الثالث، عندما يتعرض الشخص لنماذج عنف، وهذا يحدث عند مشاهدة نماذج عنف في التلفاز أو السينما.. الخ.

 كيف نستطيع الاستفادة من هذه النتائج والمحددات، في السيطرة على العنف داخل المدرسة؟

أهم خطوة يجب أن تقوم بها المؤسسة التربوية، اعتماد البرامج الرياضية وبرامج النشاط البدني، كإجراء علاجي ووقائي للحد من العنف المدرسي، وعدم التركيز على برامج ذات طابع نظري، وإجراء بحوث مشابهة على عينات مختلفة في الفئة العمرية، لمعرفة مدى وجود مثل هذه الممارسات، وتأثيراتها، وبناء برامج النشاط البدني المدرسي، بما يلبي احتياجات الطلبة، مع مراعاة الجانب التربوي فيها.

مستويات العنف

 يتجه العنف المدرسي إلى مستويات مختلفة، فقد يكون بمستوى أفقي واحد بين طالب وآخر، أو يكون بمستوى رأسي من أسفل إلى أعلى، أي من طالب تجاه معلم، كما يمكن أن يكون بالعكس من أعلى إلى أسفل، من معلم إلى طالب. وعند الحديث عن أثر العنف المدرسي في الصحة العامة، وبعيداً عن الإصابات المميتة، فإن الحالات غير القاضية، غالباً ما تترك أثراً سلبياً في النفس ولمدة طويلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات