الحديث عن التعليم وهمومه وإشكالياته وتحدياته وطموحاته، يبدأ ولا ينتهي.. في هذا الحوار نُشخص بعض حالات التعليم في دولنا العربية، ونستفيد، في الوقت ذاته، من رصيد وخبرات الدكتور نصير محمد تيت أستاذ الفيزياء الحسابية بجامعة الإمارات، في تحديد العلة واقتراح الحلول، لم لا، وقد توج مسيرته العلمية بالحصول مؤخراً على جائزة خليفة التربوية، مجال التعليم العالي على مستوى الدولة والوطن العربي، فئة الأستاذ الجامعي المتميز في البحث العلمي. ومعه كان اللقاء:

د. نصير، صف لنا شعورك عند تكريمك، بعد فوزك بجائزة خليفة التربوية؟

فرحة كبيرة لا توصف ولا تستطيع الكلمات أن تعبر عنها، ومما زادها سعادة وتألقاً، هذا التكريم الجميل من قبل سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة رئيس مجلس أمناء جائزة خليفة التربوية، فهذا بحد ذاته جائزة أخرى حقيقية.

ما العوامل التي ساعدتك على الفوز بالجائزة؟

الشغف المستمر بالاطلاع والدراسة والبحث العلمي، والعمل الدؤوب من أجل التحفيز الذاتي والسعي وراء المعرفة. كذلك حب المهنة والإتقان والتفاني في العمل، أما عن التقدم للجائزة فقد ركزت على المعايير التي حددتها الجائزة لهذه الفئة، مع التركيز على جوانب التميز، فمن المهم جداً أن يعرف الإنسان ذاته.

اتهام موجه إلى بعض الحاصلين على الجوائز التربوية، بأنهم يعتبرونها هدفاً في حد ذاته، ثم يبدأ المستوى في الهبوط، ما رأيك؟

للحقيقة قد يصح هذا بالنسبة لبعض الذين يحصلون على الجوائز في المجالات المختلفة عموماً، وليس على الذين يحصلون على الجوائز التربوية فقط. أعني أن من يعمل من أجل جائزة أو مكافأة ما، فقط حتى يحصل عليها، فلا شك أنه سيتباطأ ويتراخى بعد ذلك لأنه حقق ما يريده بشكل شخصي. غير أنه، وفي اعتقادي، التعميم في هذا المقام يقود إلى الظلم والخطأ الفادح، بل على النقيض من هذا الرأي.

فإنني أرى أن الغالبية العظمى من الباحثين، إنما تقودهم روح البحث، والشوق الصادق إلى المزيد من المعرفة، ويحرصون على إضافة الجديد إلى البناء العلمي القائم على تراكم جهود العلماء وخبراتهم على مر الأزمنة، وتباين المسافات.

هل هناك جوائز أخرى حصلت عليها، ما مجالاتها، وكيف كان مردودها عليك؟

نعم، لقد حصلت على جائزة شومان للعلماء العرب الشبان قبل خمسة عشر سنة، وكذلك أربع جوائز بعدها من جامعة الإمارات في التميز في مجالي التدريس والبحث العلمي. وكانت كلها دافعة ليّ، ومشجعة على المزيد من الاجتهاد والعطاء في مجال التدريس والبحث العلمي، وذلك ليس من أجل الجوائز في حد ذاتها كهدف، فهذه نتيجة جانبية، وإن كان لا يمكننا إغفالها أو إنكار أهميتها، وإنما كان الهدف الأسمى، المزيد من العلم الخالص، طريقاً وهدفاً.

وما الذي تخطط له بعد ذلك، المزيد من الجوائز، أم لديك طموحات أخرى؟

لدي الكثير من المشاريع البحثية، منها ما أعمل عليه حالياً، ومنها ما يدور في ذهني وأفكر فيه كثيراً، ولكنه لم يخرج إلى حيز التنفيذ بعد، وعلى أية حال، العلم بحر كبير والطموحات لا تنتهي، وعلى الإنسان عموماً والباحث بوجه أخص، أن يطلق العنان لخياله وأن يحلم دائماً بالمزيد، وأن يحلق إلى أبعد مدى نحو العلم والمعرفة وسعياً وراء الحقيقة.

ما أبرز إشكاليات التعليم التي تعاني منها دولنا العربية؟

دعني أقول أولاً وقبل كل شيء إنه لن تنهض أمة أبداً إلا عبر التعليم المتميز، فلا تقدم دون منظومة تعليمية فائقة الجودة. وما تعانيه دولنا العربية من إشكاليات تعليمية إنما يعود إلى أسباب متعددة، قد تتباين من دولة إلى أخرى بشكل ما، لكن غياب الجدية والإتقان، وضعف الإخلاص في العمل نحو تعليم جاد متفوق هو ما ينقصنا، وإن اختلفت الصورة أو تباينت ملامحها بين بلد وآخر، وإن كانت المحصلة النهائية حتى الآن سلبية، كما نلاحظ جميعاً دون أدنى محاولة للمجاملة أو التجمل.

 الطالب العربي يمتلك مؤهلات مجتمع المعرفة.. ولكن!

 بصراحة د. نصير، عربياً أين نحن الآن من مجتمع المعرفة؟

لأكن متفائلاً، أقول: نحن نحاول، وربما نسعى بجد في كثير من الدول العربية، لكن واقعياً الطريق طويلة والفجوة تتسع بوتيرة مخيفة، لذلك، أرى أن علينا ألا نيأس مطلقاً، ولابد من أن نستمر، وعلينا أن نبذل المزيد من المال والجهد والعمل الشاق المخلص والجاد. ومن الضروري جداً، إدراك الوقت قبل فوات الأوان وعدم تأجيل المشاريع، بل يجب علينا المبادرة إلى تطبيقها، وتهيئة الظروف المواتية لنجاحها بكل ما أوتينا من قوة.

وهل الطالب العربي، لديه من المؤهلات والمهارات ما يعزز قدرته على الولوج في هذه المجتمعات؟

الطالب العربي يملك، كما غيره، الفطرة الطبيعية والمؤهلات الكامنة فيه، والقادرة على توجيهه بالشكل الإيجابي إلى التعلم والمعرفة، لكن علينا أن ننمي هذه المؤهلات، ونحسن ونقوي من مهاراته عبر منظومة تعليمية متقنة؛ جادة صادقة النية وقوية العزم والتصميم، ثم عنيدة في المثابرة.

فالطالب لا يزال ينتظر المنظومة التربوية التي تفهمه وتراعي قدراته وتبرز مواهبه وتصقلها. وأنا أومن بأن لكل طالب ملكات وقدرات ومميزات. ومهمة المنظومة التربوية أن تكتشفها وترعاها وتنميها.

ما دور البحوث العلمية، في مواجهة إشكاليات التعليم، وتعزيز خطوات تطويره؟

جزء مهم من البحث، ينتج من الرغبة في حل المشكلات، ومشكلات التعليم تندرج تحت هذا العنوان، وهذا كما أظن، هو دور كليات التربية والمتخصصين في البحوث التربوية، عليهم أولاً أن يحددوا المشكلات بكل دقة، ومن ثم محاولة البحث عن الحلول المناسبة، وفق طبيعة كل إشكالية من إشكاليات التعليم وظروفها.

الواقع يؤكد أن مخرجاتنا التعليمية العربية، في المجالات العلمية والبحثية ضعيفة، ما رأيكم؟

هذه حقيقة ملموسة علينا الاعتراف بها وألا ننكرها، وعلينا أيضاً، أن نتناساها قدر الإمكان، ولو مؤقتاً، حتى نمتلك مقومات تغييرها كأمر واقع، ونحن قادرون على ذلك في القريب العاجل إن شاء الله، شريطة أن نعمل بجد، وأن نأخذ بأسباب علاج هذه الإشكالية، فذلك هو التحدي الأكبر.

وماذا تقترحون لمواجهة هذه الإشكالية؟

التخطيط السليم العلمي والمدروس، والتعاون بين المؤسسات التعليمية والبحثية، وبين واضعي خطط التنمية، بما يتفق ومتطلبات سوق العمل، وما يحتاجه من مهارات ومعارف على أرضية صلبة من الميدان والواقع.

بحكم عملك مدرساً في جامعة الإمارات، كيف ترى المستوى العلمي للطالب القادم من التعليم العام؟

بصراحة وأمانة ووضوح، المستوى متفاوت من طالب إلى آخر، وإن كان يميل إلى الضعف منه إلى القوة والتميز، إذ إن هناك فارقاً واسعاً بين ما يفترض أن يكون مزوداً به خريج التعليم العام، وما تحتاجه مرحلة التعليم الجامعي.

وما رؤيتكم، من أجل ردم الفجوة بين واقع التعليم العام في مدارسنا العربية، ومتطلبات مرحلة التعليم الجامعي؟

جسر الفجوة بين المرحلتين واجب وطني وضرورة ملحة يتحمل مسؤوليتها الجميع، ولا يمكن التنازل عنها أو التفريط بها. ويتطلب هذا، المزيد من التنسيق والتعاون المشترك والصادق، بين القائمين على المرحلتين معاً. إذ يُحدد القائمون على مرحلة التعليم الجامعي أولاً وبكل وضوح ودقة، ما يتوقعونه من القادمين إليهم من مرحلة التعليم العام، ومن ثم يخططون وينسقون مع القائمين عليه، وكيفية الوصول إلى هذا الهدف بالطرق والوسائل الممكنة والمتاحة والمناسبة.

في قطاع التعليم، هناك العديد من التحديات التي قد تعيق طموحات البعض، وتحبط عملهم، فما رسالتك إليهم؟

المعوقات لا تنتهي والتحديات كبيرة والدرب طويل، أليس كذلك؟ لكن القدرة كامنة فينا بلا شك، وموجودة، نعم وبكل تأكيد، ونحن على الطريق نسير، وقيادة دولة الإمارات الرشيدة والواعية والكريمة، لا تبخل بجهد أو مال في سبيل الوصول إلى أرقى مستويات التعليم، وتحقيق طموحات الوطن. لذلك، علينا جميعاً أن نتوحد، وأن نقف معاً يداً بيد لرفعة بلادنا وأوطاننا.