بين الواقع والأمل مسافة طويلة، لا تطويها سوى الإرادة والعزم والتصميم. وبين الحقيقة والحلم مقاربات كثيرة، بعضها واضح الرؤية ينجزه العمل الدءوب، وبعضها الآخر ضرب من الخيال يتذرع به الفاشلون ممن ارتضوا واقعهم، وآثروا الاستمرار فيه، بلا طموح أو حتى مجرد نيل شرف المحاولة، فبقيت أحلامهم تراودهم بلا أمل أو مستقبل، وكأنهم أسرى أنفسهم، وضحايا أحلام جرتهم إلى نعاس دائم.
لكن هنا، ومع الأمل، أصبح الحلم حقيقة، حين تجاوز المعاق محنته، ووقف باقتدار ليعبر عن نفسه، ويثبت للجميع أن الحلم بالإرادة يصبح حقيقة، إذا وجد من يفسره له ويأخذ بيده لتحقيقه. وهو الأمر الذي تحقق في مؤسستنا التربوية التي تعج بالعناصر المتميزة.
وأكدته موجهة التربية الموسيقية بمنطقة الشارقة التعليمية حنان عبد البصير العطار، «صائدة الجوائز»، وفريقها، حين نفذوا مشروع «من أجل بسمة طفل»، الذي حاز على جائزة خليفة التربوية في دورتها السادسة، عن فئة المشاريع والبرامج التربوية المبتكرة على مستوى الدولة والوطن العربي. ومعها كان اللقاء.
صفي لنا شعورك وأنتِ تحصلين على جائزة خليفة، وتكريمك غداً، في ذات الحفل الذي يشهد تكريم سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان؟
حصولي على جائزة خليفة التربوية، يُعد بمثابة التتويج الشرفي لجهد بذلناه بإخلاص، مع طلبة ذوي الاحتياجات الخاصة، لأنهم يستحقون منا كل الرعاية والاحترام. وقد جاء بعد تخطيط طويل وعمل متواصل، تكلل في النهاية بهذا التقدير القيم، ولاشك أن هذا المشروع، اكتسب قيمته بالفوز بهذه الجائزة الغالية علينا، فهي بحق وسام على صدري.
وقد زادني هذا التكريم شرفاً ورونقاً خاصاً، بالتواجد في الحفل نفسه الذي يشهد تكريم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عن الشخصية التربوية الاعتبارية.
منذ عام حصلتِ على جائزة حمدان بن راشد، وهذا العام جائزة خليفة، ما حكايتك مع الجوائز؟
التميز ثقافة وأسلوب حياة، وشعاري دائماً: إبداع بلا حدود، وعادة أتطلع في عملي إلى التجديد والبحث، ومواجهة التحديات، فما أجمل أن نتجاوز الصعاب، ونتذوق لذة الإنجاز بعيداً عن الأساليب التقليدية، والمطروقة سلفاً. وهذا لن يتحقق إلا إذا صدقت النوايا وقويت العزائم. ولولا الدعم والتشجيع الذي وجدته من جميع مسؤولي وزارة التربية، ورؤسائي بمنطقة الشارقة التعليمية، ما كان لي أن أتقدم خطوة واحدة. فلهم منى كل الامتنان وعظيم التقدير.
وما الذي تخططين له بعد ذلك، اصطياد المزيد من الجوائز، أم لك وجهة أخرى؟
بعد شرف الحصول على جائزة خليفة التربوية، زاد ذلك من مسؤوليتي في انتقاء الجوائز التي أتقدم إليها، نظراً للمكانة المرموقة التي تحظى بها هذه الجائزة، محلياً وخليجياً وعربياً، كما أنني أحتاج بعض الوقت لترسيخ مشروعي واتساع مداه وتحقيق أهدافه في مرحلته الثانية، ليصبح نموذجاً رائداً عالمياً، ينطلق بأثرة وتداعياته من دولة الإمارات، ويدعو إلى الاهتمام بالتربية الموسيقية، على وجه العموم، وللعلاج بالموسيقى على وجه الخصوص.
ينافسون الأسوياء
قالت حنان العطار إن تشكيل أول فريق موسيقي من طلاب الدمج على مستوى الدولة، يُعد تجربة رائدة للخروج بها من المستوى المحلي، إذ إن فريق العزف يشمل العديد من طلبة ذوي الاحتياجات الخاصة، على اختلاف طبيعة إعاقتهم، يعزفون نفس المقطوعات الموسيقية مع زملائهم الأسوياء. بل وينافسونهم في المهارة أيضاً.
وقد أثبت المشروع قدرات الطلبة الفائقة، لتجاوز الإعاقة النفسية والجسدية بالموسيقى، ولذلك نسعى أن تكون هذه التجربة بداية الانطلاق خليجياً وعربياً.
مغامرة.. وإحباط
بعد حصول مشروع «من أجل بسمة طفل»، على جائزة خليفة التربوية، وحتى لا تنتهي إبداعات هؤلاء الطلبة، وتتحول إلى مغامرة ثم إحباط، تتمنى موجهة التربية الموسيقية حنان العطار، من الله عز وجل أن يحظى بالاهتمام والدعم من المؤسسات المجتمعية.
وأن تتبناه وسائل الإعلام، وتروج له، ليكون إطلالة أمل تشيع روحاً جديدة من التفاؤل والتحفيز للآخرين، وتدفعهم إلى تغيير حياتهم، والانطلاق إلى عوالم مليئة بالثقة بالنفس، والقدرة على التعبير عن الذات، وبالتالي إطلاق العنان لإبداعاتهم وقدراتهم الكامنة فيهم.
جائزة خليفة تتويج لإخلاصنا بما أوتينا مع طلبة يستحقون
بالحديث عن مشروع «من أجل بسمة طفل»، هل لكِ أن تعطينا فكرة عنه؟
في سياق نهج وزارة التربية والتعليم، لتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص، بين طلبة ذوي الاحتياجات وسواهم، وتوحيد المعايير التي تؤكد أن المدرسة للجميع، ابتكرنا هذا المشروع التربوي: (من أجل بسمة طفل)، تحت شعار «بسمة طفولة بنغمة مأمولة».
وبدأنا تطبيقه في منطقة الشارقة، بمشاركة نخبة من معلمي ومعلمات التربية الموسيقية والتربية الخاصة. اعتباراً من العام الدراسي 2010/2011م، في 3 مدارس للتعليم الأساسي، الحلقة الأولى، وهي: صهيب وجويزع للبنين، وأسماء للبنات، حتى أصبح يشمل حالياً معظم مدارس الدمج بمنطقة الشارقة التعليمية.
وماذا عن طبيعة المشروع والطلبة المشاركين فيه؟
المشروع عبارة عن فريق للعزف الموسيقي، مُكون من طلبة الدمج، فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، لأول مرة على مستوى الدولة، وبرعاية مدير منطقة الشارقة التعليمية سعيد مصبح الكعبي. ويتكون هذا الفريق من 50 طالباً وطالبة من الحلقة الأولى بالتعليم الأساسي، يعزفون على مجموعة من الآلات الموسيقية المختلفة، منها:
«الأورغ والإكسليفون والأكورديون، والكمان، والآلات الإيقاعية، وآلات الباند». ويعزف الفريق مقطوعات موسيقية من المؤلفات العالمية المختارة بعناية لتتناسب مع الإعاقات المختلفة، ويشمل: الإعاقات البصرية والسمعية والجسدية، وطلبة متلازمة داون، وطيف توحد، والتأخر الدراسي وغيرها.
وما الهدف الأساسي الذي يسعى مشروع (من أجل بسمة طفل)، إلى تحقيقه؟
الموسيقى تساعد على تحسين صورة الذات والثقة بالنفس، بما ينعكس إيجابياً ليزيد من مهارات التواصل، ويرفع معدل القدرة على استخدام الطاقة الذاتية بشكل هادف، مع التقليل من السلوكيات السلبية، وتحسين المهارات الحركية، وتحسين الاستقبال السمعي، وزيادة القدرة على الاستقلالية والتوجيه الذاتي، وأخيراً تحسين القدرة على الإبداع والتخيل. لذلك فإن المشروع يسعى إلى تقديم الدعم، المعنوي والعلمي والنفسي، من خلال الموسيقى لطلبة الدمج.
ما المحاور أو الآلية التي اعتمد عليها المشروع؟
لدينا أربعة محاور رئيسة للمشروع: الأول يسعى إلى تقديم الدعم لطلبة الدمج في الموقف التعليمي من خلال مادة التربية الموسيقية وتكاملها مع المواد الدراسية الأخرى. والثاني يهتم باكتشاف ورعاية المواهب الموسيقية لدى هذه الفئة وإبرازها بصورة فردية أو جماعية. والثالث لتحسين التواصل الاجتماعي والحد من المشاكل السلوكية السلبية مثل: العدوانية والعزلة.
أما المحور الأخير فيهدف إلى تحسين الصورة الذاتية لهؤلاء الطلبة، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وقدرتهم على الاستقلالية، والتوجيه الذاتي، وبالتالي تحسين القدرة على التخيل والإبداع.
بعد مرحلة التطبيق التي انطلقت منذ عامين، ما المردود الذي حققه هذا المشروع؟
بعد تطبيق المشروع، أكدت إدارات المدارس التي شملها، وجود تحسن ملحوظ في التحصيل الدراسي للفئة المستهدفة من الطلبة. كما نجح أعضاء فريق العزف في التعبير عن مواهبهم الموسيقية، من خلال المشاركة في مسابقة الأداء الفردي المتميز على مستوى منطقة الشارقة التعليمية، ثم على مستوى الدولة.
كما نجح المشروع أيضاً، في تعزيز التواصل الاجتماعي لهؤلاء الطلبة مع الآخرين وفي البيئة المحيطة بهم، وأعطاهم الكثير من الثقة بالنفس. فضلاً عن ذلك فقد شاركت هذه المواهب الموسيقية في ملتقى أولياء أمور الطلبة من ذوي الإعاقة، بحضور معالي حميد القطامي وزير التربية والتعليم.
يُقال أن محنة الإنسان، أو إعاقته، تولد فيه قدرات غير طبيعية، هل لاحظت ذلك خلال تدريب هذه الفئة؟
هذه حقيقة، بل إن ما أظهره كل طفل من هؤلاء، يدعو إلى الدهشة بالإبداعات والكنوز التي بداخلهم، والتي عوضهم الله سبحانه وتعالى بها عما فقدوه. مثل هذا الطالب الذي لم يتجاوز الست سنوات بالصف الأول الابتدائي، ويعانى منذ ولادته من إعاقة سمعية، لكنه استطاع إتقان العزف على آلة الطبلة وبمهارة، مستخدماً عينيه وإحساسه بالموسيقي، على الرغم من أن هذه الآلة تُعد من أهم آلات الفريق، لأنها تضبط الإيقاع لجميع العازفين. طفل آخر لديه إعاقة جسدية.
ولد بإصبع واحد في يده اليمنى، وكانت تؤثر عليه نفسياً، ويخجل منها ويحاول إخفاءها بشتى الطرق، وبعد انضمامه للمشروع، ومع التدريب المستمر، أصبح يعزف على آلة الأورغ بمهارة، كما شارك في مسابقة العزف الفردي بالمنطقة ثم الدولة. وفي ملتقى أولياء أمور الطلبة من ذوي الإعاقة من دون خجل، بل بكل فخر واعتزاز.
كيف نستطيع بالموسيقى، تكوين شخصية الطالب المثقف الواعي؟
تؤكد الدراسات التربوية الحديثة أن الموسيقى تحقق النمو المتكامل للطفل في مختلف النواحي الجسمية والانفعالية والاجتماعية والعقلية، وتهيء له أيضاً، أكبر درجة من التوافق مع ما يحيط به من ظروف وتحديات، وتُعوّد الطالب الاعتماد على النفس وتشعره بقيمته وبأنه فرد منتج ناجح، مما ينعكس عليه بالرضا والثقة بالنفس. كما أن للموسيقى أثراً كبيراً في إبراز شخصية الطالب، وتحسين قدرته على الإبداع والتخيل.
