نعمة الموهبة.. لا يعرف قيمتها، إلا المجتمعات المحرومة منها، فهي فرس الرهان في كل العصور، ومنطق الحسم إذا جد الجد، والتهبت حماسة المنافسات، أياً كان مجالها. وعلى الرغم من أن الموهبة، غالباً ما تكون قادرة على فرض حضورها، إلا أنها "وحيدة"، تصبح كمن يغرد خارج السرب بلا مأوى أو رعاية، فتفشل.. وتتلاشى.. ثم تزول.. مخلفة في القلب خيبة أمل، وفي رصيد الإنجازات صفراً.

 في رحاب الموهبة، واكتشافها، وتبنيها، التقينا مريم علي الغاوي مدير إدارة رعاية الموهوبين بجائزة حمدان بن راشد للأداء التعليمي.

ماذا عن دور إدارة رعاية الموهوبين بجائزة حمدان بن راشد للأداء التعليمي، من أجل تعزيز ثقافة الموهبة والتميز في المجتمع ككل؟

من اختصاصات إدارة رعاية الموهوبين في جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز، اكتشاف الموهوبين، وتقديم الرعاية اللازمة لهم، ليصلوا إلى أعلى مستوى، ومن ثم استغلال إمكاناتهم بما يخدم الدولة، ويساهم في تطورها ورقيها. ويتم ذلك من خلال إستراتيجية محكمة، لتنفيذ الخطة الوطنية لرعاية الموهوبين، والتي عملت الجائزة على وضعها وتحكيمها عن طريق خبراء الموهبة.

وما هي مجالات الموهبة التي تقوم الجائزة برعايتها؟

مجالات الموهبة في الجائزة، محددة بالقدرات العقلية، والتحصيل الأكاديمي، والقدرات الإبداعية. وحُددت هذه المجالات من باب تكاتف الجهود، حيث يوجد مؤسسات عدة في المجتمع ترعى المواهب الأخرى مثل: المواهب الفنية أو المواهب الرياضية وغيرها. في حين أن المجالات التي تبنتها الجائزة نادرا ما تجد من يرعاها، وتعمل الجائزة على تضافر جهودها مع المؤسسات الأخرى لرعاية الموهوبين من كل الجوانب.

وما الذي حققتموه في هذا المجال حتى الآن؟

من خلال تنفيذ برامج الخطة الوطنية لرعاية الموهوبين، استطاعت الجائزة: تمكين المعلمين من برامج الموهوبين، عن طريق إعداد وحدات إثرائية، وتدريبهم على طرق اكتشاف الموهوبين، وبرامج التفكير الإبداعي. استضافة الدورة الثانية عشرة لمؤتمر دول آسيا والمحيط الهادي للموهبة 2012م.

حيث وصل عدد الحضور إلى 2000 مهتم في مجال الموهوبين، إقامة ملتقى الأطفال والشباب المصاحب لمؤتمر الموهبة بمشاركة 500 طالب موهوب، من 17 دولة أسيوية، تطبيق اختبار الذكاء على الطلبة الذين سبق لهم الفوز بالجائزة في دوراتها السابقة، لتكوين قاعدة بيانات خاصة بهم، تخريج 60 معلمة في برنامج التأهيل المهني لرعاية الموهوبين، إعداد وتنفيذ برامج تدريبية لتأهيل وتطوير الكوادر الوطنية في مجال اكتشاف ورعاية وتوجيه الموهوبين، عقد شراكات مع المؤسسات المتخصصة في مجال الموهوبين داخل وخارج الدولة.

أيمكنك أن تكلمينا . مريم عن العلاقة التي تجمع بين ثلاثية: الموهبة، التفوق، التميز، وبعضها البعض؟

هذه المفاهيم الثلاثة، تشترك في كونها استثناءً، من حيث اكتشاف القدرات الذاتية. إلا أن الموهبة تتضمن إمكانات فطرية، واستعدادات وراثية، يمكن رعايتها وتنميتها، بغض النظر عن اختلاف المسميات، سواء موهبة أو تميزاً أو تفوقاً أو غيره. لذا يجب علينا أولا، اكتشاف المواهب، ومن ثم رعايتها حتى تصب في مصلحة الدولة.

فقد يكون الطفل متفوقاً دراسيا، إلا انه لا يتمتع بأية موهبة، والعكس صحيح. غير أن الظروف الاجتماعية، والبيئة المحيطة بالموهوب، لها الأثر العظيم في إظهار موهبته وتميزه وإبرازهما، وعليها اكتشاف الموهبة وتنميتها في وقت مبكر هو الأهم.

كم من المواهب والقدرات أُهدرت، بسبب عدم وجود من يكتشفها. بصراحة، ما رأيك في هذا الموضوع ؟

هذه حقيقةَ، فهناك كثير من المواهب أهدرت، بسبب عدم وجود برامج علمية متخصصة لاكتشافها في الوقت المناسب، وبالتالي عدم تقديم الرعاية المناسبة لها. وهو الأمر الذي يؤدي إلى هدر المواهب والطاقات، التي لو تم اكتشافها لحققت الكثير من الإنجازات التي تفخر بها الدولة. فالموهبة، وحدها، تصبح كمن يغرد خارج السرب بلا مأوى أو رعاية.

ولا أخفيك سراً، أن كل طفل يمكن أن يكون مشروع موهبة، إذا وجد الرعاية الكافية منذ الصغر. لأن الموهبة تولد مع الأطفال غالباً؛ لكن الأطفال الموهوبين الذين يتم اكتشافهم قليلون. ولهذا السبب استشعرت الجائزة مسؤوليتها تجاه هذه الفئة من خلال مبادرة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم لتنفيذ خطة وطنية لرعاية الموهوبين، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم.

ثقافة الموهبة

تؤكد مريم الغاوي أننا نحتاج، في مجتمعاتنا، إلى نشر وتنمية ثقافة الموهبة. ولذلك، فمن أهم البرامج الوطنية التي طبقتها جائزة حمدان بن راشد، لرعاية الموهوبين، برنامج: "التثقيف والنشر العلمي في مجال الموهبة".

والذي يهدف إلى نشر ثقافة الموهبة في المجتمع ككل، بكافة عناصره. وأردفت الغاوي، أن من ثمرات هذا البرنامج، ولأول مرة في منطقة الشرق الأوسط، تم استضافة المؤتمر الآسيوي الثاني عشر للموهبة في شهر يوليو العام 2012م، الماضي.

مطلوب قانون اتحادي لحقوق الموهوبين على غرار قانون حقوق المعاقين

 كيف يتم اكتشاف الموهوبين، وهل لدينا القدرة، كمجتمعات عربية، على تبني أصحاب الموهبة في مختلف المجالات، سواء أكانت علمية، أم أنشطة؟

هناك الكثير من أدوات ومقاييس اكتشاف الطلبة الموهوبين، إذ يتم اكتشاف المواهب بطرق عديدة، وبأدوات مختلفة. ونحن كمجتمعات عربية، لدينا القدرة على تبني تلك المقاييس وتطبيقها، فيما لو تكاتفت كافة المؤسسات لخدمة هذا الغرض، بالتعاون مع البيت والأسرة. إلا أنه توجد بعض الصعوبات التي قد تعيق ذلك، مثل:

وجود شح في تخصص الموهبة لدى التربويين في المجتمع، والكلفة الكبيرة لبرامج اكتشاف ورعاية الموهوبين، وعدم وجود قانون اتحادي يضمن حقوق الموهوبين على غرار قانون حقوق المعاقين.

وماذا عن المشاريع المستقبلية لجائزة حمدان في مجال رعاية الموهوبين؟

على أجندة الجائزة، في مجال رعاية الموهوبين، مجموعة من المبادرات، منها: إعداد أدوات اكتشاف مقننة على بيئة دولة الإمارات، إعداد برامج رعاية الموهوبين وبرامج التوجيه والإرشاد للطلبة الموهوبين، تطوير الكوادر الوطنية في مجال الموهوبين. التثقيف والنشر العلمي في مجال الموهبة وإعداد الدراسات والبحوث في مجال الموهبة والإبداع. فضلاً عن تعزيز أدوار المدارس الحاضنة لبرامج حمدان للموهوبين، ومركز حمدان للموهبة والإبداع.

وبالنسبة للعلاقة التي تربطكم مع وزارة التربية والتعليم، ومناطقها التعليمية في إطار اكتشاف وتنمية المواهب الطلابية، إلى أين وصلت؟

وزارة التربية والتعليم بمناطقها التعليمية، تعتبر شريكاً استراتيجياً للجائزة، وتربطها بها علاقة وثيقة، تتمثل في التعاون المستمر في المجالات كافة. ومن أوجه الشراكة بين الطرفين، التعاون في مجال تأهيل الكوادر المتخصصة في مجال رعاية الموهوبين. وهو برنامج تنفذه الجائزة لتأهيل متخصصين في تربية الموهوبين، باعتباره أحد التخصصات النادرة في الميدان التربوي.

حيث تنفذ الجائزة هذا البرنامج، بالتعاون مع جامعة الخليج العربي بمملكة البحرين، وكذلك مع وزارة التربية والتعليم، التي بدورها تعمل على توفير المعلمين وفق المعايير التي اعتمدتها الجائزة، للالتحاق ببرنامج التأهيل المهني في تربية الموهوبين.

في الدول المتقدمة هناك مؤسسات متخصصة وقائمة بذاتها، معنية بالبحث والكشف عن الموهبة هل لدينا مثل هذا الأمر؟

هناك مؤسسات دولية وإقليمية تهتم بموضوع الموهبة، ولها أنشطة متعددة في هذا المجال مثل: المجلس العالمي للموهوبين والمجلس الآسيوي للموهوبين، وبعض المراكز المتخصصة في الموهبة الملحقة بالجامعات العالمية.

إلا انه على حد علمي في الوقت الراهن لا توجد لدينا، مؤسسات متخصصة، في ما عدا المجلس العربي للموهوبين. إلا أن وجودها ضروري. كما أننا في الجائزة نطمح أن نكون مركزاً متميزاً ورائداً في اكتشاف ورعاية البرامج الخاصة بالموهوبين.

الوصول إلى طالب موهوب، يجب أن يبدأ من البيت أولاً، ثم المدرسة، فالمجتمع، كيف يكون هذا برأيكم؟

في ما يتعلق بدور الأسرة، نحن بالفعل نعاني من افتقاد عملية اكتشاف ورعاية الموهوبين، وعليه يجب على المؤسسات التعليمية والإعلامية، أن ترفع من مستوى الوعي لأولياء الأمور في مجال الموهبة، إذ إن الاكتشاف المبكر للمواهب يبدأ من البيت أساسا، ومن ثم يمتد إلى المدرسة فالمجتمع. وإن تضافر تلك الجهود يؤدي إلى اكتمال حلقة اكتشاف المواهب، مما ينتج عنه تقديم الرعاية المبكرة للموهوب، ومن ثم، تنمية قدراته وإمكاناته، واستثمارها في خدمة دولته وتطورها ورقيها.

كيف نجعل التفوق والتميز، منهجاً وأسلوب حياة، ومن المسؤول عن تحقيق ذلك؟

لكي نجعل الموهبة والتميز منهجا للحياة، علينا أولا أن نؤمن بأهمية رعاية الموهوبين حيث إنهم الثروة الحقيقية للوطن، ورعايتهم تعتبر استثماراً حقيقياً لتلك الثروة، بما يخدم الدولة وتطلعاتها. وبالإضافة إلى ذلك، الإيمان بأهمية رعاية الموهوبين، لأن تضافر الجهود، في هذا الشأن، يعتبر عاملاً مهماً لجعل الموهبة والتميز منهجا للحياة. فرعاية الموهوبين تعتبر مسؤولية الجميع، سواء البيت أو المدرسة أو المجتمع كله.

كما يجب أن تكون الموهبة والتميز، منهاج عمل جميع مؤسسات الدولة، وبخاصة التعليمية منها، وأن يدخل ذلك في صميم أداء المؤسسة، وتقييمها السنوي، وتقييم العاملين بها، وبالتالي تنتشر ثقافة التميز وتمتد تدريجيا إلى كل أروقة الحياة.

ما أهم التحديات التي تواجه عملكم في الكشف عن المواهب، وتنميتها؟

لعل أكبر التحديات التي نواجهها في الوقت الراهن، عدم وجود المختصين من ذوي الخبرة في مجال رعاية الموهوبين، وندرتهم، إذ يعد مجال تربية الموهوبين من التخصصات النادرة في جميع جامعات الدولة.

لذلك عملت جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز، بالتعاون مع جامعة الخليج العربي، على استحداث درجة الدبلوم المهني في رعاية الموهوبين. وتهدف الجائزة من وراء تنفيذه، إلى تطوير الكوادر الوطنية في تخصص الموهبة، وهو أحد برامج الخطة الوطنية لرعاية الموهوبين.

استثمار العقول

تسعى جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز، إلى اكتشاف المواهب الطلابية الموجودة في الميدان التربوي، ومن ثم تقديم الرعاية اللازمة لهم، بهدف استثمار العقول النيرة، والقدرات الخلاقة، وتبنيها وتنميتها. وتعمل إدارة رعاية الموهوبين بالجائزة، على سد احتياجات التنمية الوطنية المستقبلية من الموهوبين، وإكمال دور المؤسسات المجتمعية العاملة على تنمية وتطوير ورفع مستوى العنصر البشري، وفق أعلى المعايير العالمية.