نعيش ربما ولا ندرك أحياناً، قيمة ما حولنا.. نصارع ونتصارع، من أجل البقاء، ونتناحر في ما بيننا دون إدراك حقيقي بأننا وحدنا المسؤولون عن مآسينا، نتكالب على أشياء نراها ضرورية، ثم نخسر الأهم منها. إنها حياتنا، قد نتحسر عليها أو نستمتع بها. الأمر مرهون حتماً بقدرة كل منا على استيعاب واقع البيئة ومتغيراتها ومتطلباتها، بعد أن حاصرتنا المخاطر، وأصبحنا مهددين بأن ندمر حياتنا بأيدينا.
عن الوعي البيئي والمخاطر التي تهدد حياتنا، والسلوك البيئي المستدام لأبنائنا، ولمستقبل آمن بيئياً وصحياً، التقينا الدكتور داوود حسن كاظم المستشار البيئي لجمعية الدراسات الإنسانية.
ببساطة د. داوود، ما مفهوم وتعريف البيئة؟
مفهوم البيئة يعني الوسط الحيوي الذي يعيش فيه ويتعايش معه الكائن الحي، والذي يؤثر فيه ويتأثر به. ومن خلال هذا التعريف نجد أن هذا الوسط هو المجال الحيوي الذي تتوازن فيه البيئة بكل مصادرها الحيوية ومكوناتها من حيوان ونبات بما فيها الإنسان. والمجالات الحيوية التي تتغذى منها الكائنات الحية هي الهواء والماء والتربة.
وما الأسباب التي دفعت الدولة إلى الاهتمام بالبيئة حالياً؟
اهتمام الدولة بالبيئة، انعكاس لالتزامها الأخلاقي والديني والتراثي، وهو ما رسخته القيادة الرشيدة منذ زمن، وقد تمثل ذلك في الدور الكبير الذي لعبه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في حماية البيئة وتطويرها بشكل مستدام، وقد شهد له العالم بذلك، وعلى النهج نفسه، يحرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.
وأصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات، على الاهتمام بالبيئة، من خلال خطط التنمية، والمشاريع التي تسهم في الحفاظ على موارد البيئة الطبيعية، مثل: مبادرات الأبنية الخضراء، والمدن المستدامة ومشاريع الطاقة الجديدة (الشمسية والرياح) وغيرها الكثير. إذ إن الهمّ البيئي لا يقتصر على بقعة محددة أو إمارة بعينها، بل أحياناً يتجاوز الحدود الجغرافية للدولة كما حال موضوع تلوث المياه والهواء.
ما أهم الملوثات والمخاطر التي تهدد بيئتنا المحلية، والبيئة المحيطة؟
هناك تهديدات ومخاطر للبيئة محلية المصدر، وأخرى تأتي من خارج حدود الدولة. لكن من أهم الملوثات أو المخاطر التي تهدد البيئة الإماراتية، الاستهلاك الجائر للموارد المائية، والتي هي بطبيعتها شحيحة، إذ يُعوض النقص الحاصل في الاحتياج المائي عن طريق محطات التحلية بما يقارب 2.5 مليار متر مكعب سنوياً، تستهلك بالكامل، إلى جانب ما تنتجه محطات معالجة مياه الصرف الصحي من مياه تصلح للري..وتستهلك بالكامل أيضاً. أما أهم المخاطر البيئية التي تأتي من الخارج، فهي التسرب النفطي وحوادث دفن النفايات الخطرة والسامة، وملوثات بعض السفن، ومن بينها مياه التوازن وخطر المد الأحمر.
«بأيدينا.. ندمر حياتنا»، ما رأيك في هذه المقولة؟
بالتأكيد هذه المقولة صحيحة، وباعتبار أن الإنسان هو أرقى المخلوقات، كان ولايزال، حرياً به الحفاظ على التوازن البيئي في البحر والبر، وعدم الإخلال به. إلا أن ما نلمسه في هذه الأيام من ممارسات، لا تنم إلا عن جشع واستهلاك وتعدٍ جائر، وعدم إحساس بالمسؤولية في الحفاظ على البيئة، كي تقدم عطاءها لأجيال المستقبل. وهذا السلوك مع الأسف لا يدل إلا على أنانية وعدم وعي بيئي، وبالتالي يصبح التفريط في حماية البيئة خيانة للأمانة التي أمنها الله عز وجل الإنسان، وسنُحاسب عليها.
كيف نستطيع توعية أبنائنا الطلبة، وأولياء أمورهم، بالمحافظة على البيئة وحمايتها؟
هذه المسألة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي منظومة تسهم بها عدة جهات تبدأ من الأم وتتواصل مع المدرسة ثم الحي، ويأتي بعد ذلك دور أجهزة الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات ذات النفع العام، والجهات الحكومية المختصة سواء المحلية منها أو الاتحادية.
هناك أيضاً دور وزارة التربية والتعليم وقطاعاتها، فالمناهج والأنشطة الصفية واللاصفية والمعسكرات والزيارات، كلها تلعب دوراً مهماً في التوعية. كما أن استخدام مبدأ الثواب والعقاب، من خلال القوانين والتشريعات المنظمة، له أثر كبير في تعديل أنماط وسلوك الأفراد إزاء هذا الموضوع.
تغيير السلوك العدواني إلى «صديق».. جوهر البيئة الآمنة
بصراحة، د. داوود هل نحن قادرون على ضمان مستقبل أفضل للبيئة؟
إذا نجحنا في توعية الأبناء، وجعلنا الوعي البيئي جزءاً من مكونات حياتنا، حينها مستقبل البيئة سيكون مضموناً. وهذه هي رسالة التوعية: ألا نكتفي بتغذية الأدمغة بالمعرفة البيئية بل تحويل المعرفة إلى سلوك يومي، كما هو شرب الماء وتنفس الهواء وتناول الطعام.
وبم تنصح الطلبة في التعامل مع البيئة؟
نصيحتي لأبنائنا الطلبة، أن يعوا أهمية الحفاظ على البيئة لأنها كالمدخرات المالية في البنوك. نستطيع استنزافها في فترة قصيرة ونتحسر، أو ننميها وتكون ثروة ضامنة للمستقبل، فالحفاظ على البيئة من صميم تعاليم ديننا الحنيف، ومن الثقافة والحضارة والتراث العربي الأصيل.
لذلك لابد أن نبدأ بتعديل السلوك الاستهلاكي من الشره إلى المستدام، إذ لا يُعقل أن يصل «إنتاج» الفرد في الدولة من النفايات المدنية، إلى نحو 4.5 كغم يومياً، في حين أن المعدل العالمي هو 750 غراماً، وهذا يعتبر من أعلى الأرقام في العالم.
هل لديكم اقتراحات محددة لإدخال موضوعات، أو وحدات، عن البيئة ضمن مناهجنا الدراسية؟
يمكن ذلك وأعتقد أن تكون هناك دراسة لماهية هذه المواضيع، ومستوى الجرعات التعليمية التي تصلح لكل مرحلة دراسية. ويمكن التدرج في التغذية التعليمية للطلبة عن مواضيع البيئة سواء بالكم أو النوع، وستظل مواضيع البيئة ضرورية للجميع، وبالأخص أبنائنا الطلبة لارتباطها بحياتهم. وموضوع النفايات والتعريف بها واحدة من هذه المواضيع، وكذلك، موضوع الموارد الطبيعية من مياه، وهواء، واستهلاك للطاقة وسواها.
نجحت بعض الدول المتقدمة في تحويل النفايات إلى ذهب، كيف؟
هناك، مجموعة ممارسات تتبعها الدول المتقدمة التي تضع البيئة في المقام الأول. مثل نيوزيلندا التي رفعت شعار «لا نفايات ترمى في مكب النفايات» بل تقوم بتحويل هذه النفايات إلى مواد مفيدة وآمنة مثل: تحويل النفايات العضوية إلى سماد. وأخرى يتم إعادة تدويرها مثل المعدن والورق والزجاج. ونفايات البناء يمكن استخدامها في رصف الطرق. وتحويل المطاط إلى حبيبات. والأسلاك إلى معادن. والخيوط إلى نسيج. وتحويل بعض النفايات إلى طاقة.
ويبقى فقط النفايات الخطرة والسامة والطبية والصيدلانية والمشعة ولهذه الأنواع اشتراطات وإدارة نفايات خاصة بها. وهي لا تمثل سوى 5% من مجمل النفايات. من هنا نرى أن شعار التوقف عن دفن النفايات قابل للتحقيق وبهذا تحول النفايات إلى أموال تدر ذهباً
كيف نساهم في إعادة التوازن البيئي إلى طبيعته؟
أن يتم تغيير السلوك «العدواني»، المعادي للبيئة، إلى «صديق للبيئة». فهذا هو جوهر العملية، والضمانة الوحيدة للبيئة الآمنة. وأن نمارس هذا الشيء في حياتنا اليومية. ونربي أجيالنا عليه. فضلاً عن التعامل الواعي مع الموارد الطبيعية. ومكونات البيئة التي أمنها الله سبحانه وتعالى كي تخدم كل أجيال البشرية إلى يوم القيامة.
ما الدور المطلوب من وزارة التربية لتعزيز ثقافة حماية البيئة والمحافظة عليها؟
دور الوزارة جوهري ومهم، لأن جزءاً من عملية التربية، زرع السلوك الصديق للبيئة لدى أبنائنا الطلبة. وأن تضمين المناهج، كما أشرت إلى ذلك، مواضيع بيئية لمختلف المراحل الدراسية، هو الطريق الصحيح في هذا الاتجاه، إلى جانب التشجيع على ممارسات بيئية يقوم بها الطلبة نظرياً أو عملياً خلال السنة الدراسية، أو في الإجازات.
إدارة النفايات
يقول الدكتور داوود تعليقاً على خطر النفايات: إن استطعنا أن نحمي البيئة من النفايات التي تدفن، وتكون في الغالب ملوثة بمركبات أو مواد خطرة وسامة، باستخدام طرق الإدارة السليمة لهذه النفايات، من خلال فرزها إلى ما يمكن إنتاجه من الأسمدة باستخدام النفايات العضوية، أو إعادة تدوير بعضها كالزجاج والمعدن والورق، أو تحويلها إلى طاقة، أو التبرع بها لمن يستطيعون استثمارها، أو إصلاحها وإعادة استخدامها، فإن ذلك، سيؤدي إلى جعل كمية النفايات التي تذهب إلى مكباتها لا تتجاوز الـ 5% من الكم الهائل الذي يرميه الشخص يومياً.
أصدقاء البيئة
تعزيز السلوك البيئي الإيجابي لدى الطلبة، وفقاً للدكتور كاظم، يكون من خلال حلقات أصدقاء البيئة بين الطلبة، واستخدام الصحيفة المدرسية، والمسابقات العلمية، والإذاعة المدرسية، والمشاركة في المناسبات البيئية الوطنية والعربية والدولية، والتعريف بها بالتنسيق والتعاون مع شركاء «التربية»، في الجهات الحكومية الاتحادية والمحلية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات ذات النفع العام. هذه كلها وسائل وأدوات يمكن استثمارها في التربية البيئية لطلبتنا.


