في الوقت الذي يرى فيه البعض، أن توجه الطالب إلى المرحلة الجامعية، غالباً ما تحكمه معطيات بعيدة تماماً عن التخصصات التي تحتاجها الدولة. يقف الأمل حائراً، بين تحقيق طموحات خطط التنمية في رفد المجتمع بمخرجات تعليمية متميزة.

وقادرة على تغذية سوق العمل، وبين الخوف من شبح البطالة بسبب العشوائية والمزاجية في اختيار المسار الجامعي المستقبلي. لذلك، كرست وزارة التربية والتعليم جهودها من أجل تمكين موارد الدولة البشرية، من التواجد في المكان الصحيح، والقضاء على البطالة، من خلال تكثيف جهود الإرشاد المهني والأكاديمي في مدارسنا.

هذا الدور تحديداً، وأهميته في توجيه وترشيد رغبات الطلبة، ومساعدتهم على اختيار التخصصات الجامعية المطلوبة، ومهنهم المستقبلية، حتى لا نقع في المحظور ويصبح لدينا أجيال عاطلة عن العمل، كان المحور الرئيس في حوارنا مع عبدالله محمد النعيمي المرشد الأكاديمي المهني، بمنطقة رأس الخيمة التعليمية.

 هل اختيارات الطلبة، للتخصصات الجامعية بعد الثانوية العامة تكون موفقة، أم تحكمها أمور أخرى؟

اختيار الطالب للتخصص الذي سيدرسه في الجامعة، يعتمد في الغالب على الطالب نفسه. فهو يختار التخصص الذي ربما يعتقد أنه يناسبه. وقد يوفق أحياناً، أو يخطئ في أحيان أخرى.

وهو لا يعلم المعايير الحقيقية التي تساعده في الوصول إلى التخصص المناسب. وأحيانا يتجه إلى تخصص ما بناء على طلب الأهل، أو رغبة المحيطين به، وقد يعتقد أن اختياره لتخصص معين، سيحقق له حضوراً مجتمعياً لافتاً. وهذا الأمر، يُمثل تحدياً كبيراً بالنسبة لنا، عند توجيه الطلبة وإرشادهم مهنياً.

نفهم من ذلك، أن الأهل قد يُمارسون ضغوطاً معينة على الأبناء لاختيار تخصصهم الجامعي؟

غياب الإرشاد الواعي والتوجيه المدروس لميول الطلبة المهنية، والسلطة التي يمارسها بعض الأهالي، لتوجيه أبنائهم نحو تخصصات معينة، بغض النظر عن ميولهم وقدراتهم، وفرص نجاحهم فيها مستقبلاً من عدمه، وانعكاسات ذلك على ضبابية المصير المهني بعد التخرج من الجامعة، كان التحدي الحقيقي أمامنا.

فقد كان الطالب في الغالب يختار التخصص الجامعي من دون معايير محددة، وبعيداً عن متطلبات سوق العمل وخطط التنمية في الدولة، وبالتالي يتخرج من الجامعة فلا يجد وظيفة، وتبدأ معاناته من مصير هو وضع نفسه فيه بإرادته أو بإرادة غيره. والنتيجة، وجود أعداد كبيرة من خريجي الجامعات يعانون من مشكلة البطالة.

وما دوركم أنتم في الإرشاد الأكاديمي والمهني، تجاه هذه الجزئية بالتحديد؟

نحاول من خلال برامج الإرشاد الأكاديمي والمهني، وبالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والهيئات والمؤسسات المعنية، توجيه الطالب إلى التخصص الذي يستطيع من خلاله تحقيق النجاح، ويتناسب في الوقت ذاته مع ميوله وقدراته.

ويكون مطلوباً لسد احتياجات سوق العمل. من هنا تتضح أهمية الدور التوعوي الذي يقوم به المرشد الأكاديمي بشكل علمي. إذ إن مسألة اختيار التخصص لم تعد عملية مزاجية، أو سريعة وعشوائية. فعلينا إذاً، دور مهم في توجيه الطلبة نحو التخصصات الجديدة والنادرة التي تحتاجها الدولة.

المعتقد السائد لدى الطلبة، مؤخراً، أن التخصصات العلمية هي الأكثر رواجاً في سوق العمل، ما رأيكم؟

هذا المحور يمثل جزءاً مهماً ضمن مهام ودور المرشد الأكاديمي المهني، إذ عليه توعية وتبصير الطالب باحتياجات سوق العمل، من خلال توفير معلومات حديثة، ومن مصادر موثوقة، تخدم هذا التوجه. وعلينا أن نعيد ترتيب أولوياته وفق معطيات المرحلة التنموية. فتوجيه رغبات الطالب، وترشيدها بما يتناسب مع متطلبات سوق العمل، وحاجات خطط التنمية في الدولة، أحد أهم الأهداف التي تسعى إليها برامج الإرشاد المهني.

النعيمي: الإرشاد المهني.. سلاح الطلبة ضد المظهريـة والبطالة

من المهام الأساسية للإرشاد الأكاديمي، اكتشاف قدرات الطلبة، وتوجيههم إلى المسارات العلمية المناسبة، كيف؟

يعتقد البعض أن الإرشاد الأكاديمي مجرد وعظ وكلام مرسل، يقال للطالب. ولكن هذه النظرة تغيرت الآن تماماً، إذ نستخدم حالياً مقاييس علمية ومنهجية وإحصائية، توضح للطالب الكثير من الأمور الغائبة عنه، وتساعده على إعادة اكتشاف نفسه، وفهم قدراته وحقيقة ميوله. فأحياناً تكون نظرة الطالب مشوشة وغير واضحة .

وبالتالي لا يُمكنه فهم نفسه. فهو يتصور مثلاً أن ميوله أدبية في حين نكتشف أن ميوله في الحقيقة علمية، وهو لا يعرف. لذلك استخدمنا مقاييس أعدت من قبل مختصين وخبراء أكاديميين، يتم تطبيقها حالياً على الطلبة داخل المدارس تحت إشراف المرشد الأكاديمي، ونهتم بالتركيز على إرشاد الطالب في الأمور التي كانت خافية عنه في هذا الصدد.

لديكم، مجموعة من المقاييس النفسية لأغراض الإرشاد المهني والأكاديمي والنفسي، فهل هي كافية لتصحيح الميول المهنية لدى الطلبة؟

نحن نطبق حالياً مجموعة حديثة ومتنوعة من المقاييس، الهدف منها استكشاف ميول وقدرات الطلبة وقياس دافعية الإنجاز لديهم، وهذه المقاييس تتكامل في ما بينها لتحقيق الهدف المنشود، وتخضع لعملية تحديث وتطوير مستمرة، الهدف منها الارتقاء بمستوى الأداء، ومواكبة المستجدات في مجال الإرشاد الأكاديمي والمهني.

اختيار التخصص الجامعي، هل يختلف بالنسبة للطلبة الذكور، عنه لدى الإناث؟

لا توجد فوارق كبيرة بين الاثنين، فالدولة تبذل جهوداً كبيرة لتمكين المرأة علمياً ومهنياً، حتى تبوأت المرأة مناصب رفيعة، وأصبحت شريكة للرجل في دعم مسيرة التنمية في الدولة. ولو تأملنا سوق العمل لوجدنا أن المرأة تؤدي دوراً أساسياً فيه، وإن كان هناك بعض الاختلاف في مسألة اختيار التخصص الجامعي، فهي تعود بالدرجة الأولى إلى اختلاف ميول الإناث عن ميول الذكور. ومن المهم أن نشير هنا إلى أن وعي المجتمع ازداد كثيراً في السنوات الأخيرة، وأصبح داعماً لحضور المرأة في جميع مجالات العمل، ومقدراً لدورها الإيجابي في مسيرة البناء والتنمية.

ما دوركم مع أولياء الأمور في توجيه ميول الطالب إلى التخصصات التي تُلبي احتياجات الدولة، بعيداً عن المزاجية والمظهرية؟

أولياء أمور الطلبة هم شركاء «درجة أولى» في عملية الإرشاد الأكاديمي والمهني، لذلك نعمل على إيجاد علاقة تكاملية معهم، مما يُسهم في تقديم أعلى مستوى من الخدمة لأبنائهم، من خلال التواصل المستمر معهم. لذلك، حرصنا على تعريفهم بأهمية، ودور الإرشاد المهني، والمطلوب منهم لتوعية أبنائهم مهنياً.

وأثر ذلك في رسم ملامح المستقبل الناجح لهم، حتى أصبحوا مطمئنين إلى أنّ جهودهم، ستستثمر بصورة صحيحة. لقد أصبح الإرشاد المهني الآن، سلاح الطلبة ضد العشوائية والمظهرية والبطالة. بعد أن كانت الأمور تتم بطريقة غير مدروسة، كما نقوم بدعوة الأهالي، لحضور فعاليات الإرشاد، وتعريفهم بالمقاييس الحديثة لتحديد ميول وقدرات الطلبة، وتبصيرهم بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل في الدولة.

مع تسارع وتيرة التقدم الحضاري، لابد أن يكون لدينا خريجون قادرون على الانخراط في التخصصات المهمة، والنادرة التي تحتاجها الدولة، كيف نحقق ذلك؟

نحقق ذلك، من خلال التنسيق بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وهذا التنسيق يحتاج إلى عملية إرشاد أكاديمي ومهني متطورة ومستمرة، تقوم على أسس علمية مدروسة، وإلى تعاون مستمر وفعال من جميع فئات المجتمع، كما يحتاج إلى دعم من المؤسسات ذات العلاقة، ونحن متفائلون جداً بإمكانية تحقيق ذلك في المستقبل القريب بإذن الله.

المسار الصحيح

أكد عبدالله النعيمي، أن الاكتشاف المبكر لقدرات الطلبة، يساعدهم على اختيار مسارهم الصحيح في المرحلة الجامعية، مضيفاً: الأمر لا يقتصر فقط على مسألة القدرات. فهناك الميول التي تتحكم في رغبة الطالب وحماسته، لذلك تم تطبيق مقياس الإمارات للميول المهنية، بالتعاون مع نخبة متميزة من أساتذة جامعة الإمارات، لتحديد ميول طلبة المدارس، ويتم تطبيقه حالياً على جميع الطلاب والطالبات، اعتباراً من مرحلة الصف العاشر، لمساعدتهم على اختيار المسار العلمي أو الأدبي، الذي سيحدد تخصصهم الجامعي المرغوب، ومهنة المستقبل.