العنف ضد الأطفال «حالة» موجودة في المجتمعات كلها، وتعاني منها الأسر، سواء كان ذلك في صورة مباشرة أو غير مباشرة، بل إن هناك بعض الأسر تكون نفسها وسيلة من وسائل العنف والإساءة إلى الأطفال. بل وقد تصل الأمور للأسف الشديد، إلى حد التحرش الجنسي بالأطفال، من قبل ذويهم أو خدم المنازل، وأيضاً في بعض دور الحضانة ورياض الأطفال والمدارس.
لما كانت مسألة حماية الأطفال واجباً وطنياً، باعتبارهم أجيال المستقبل، وأمل الوطن، فقد حرصت الدولة على وضع التشريعات المنظمة لحقوق الطفل، وقدمت إنجازاً حضارياً جديداً، يتمثل في قانون «وديمة» ليعزز من جهود الدولة في ما يتعلق بحقوق الإنسان وصون كرامته وحريته.
واقع الطفولة، ومواجهة ما يتعرض له الأطفال، من صور العنف والإساءة، ودور المعلمات في مراحل الطفولة المبكرة لحماية الأطفال، والعوائق التي تقف في وجه التبليغ عن هذه الحالات، كلها محطات التقينا فيها، سامية القاضي مدير عام عمليات تطوير برامج الطفولة المبكرة والأبحاث بمؤسسة «الطفل العربي».
بدايتنا مع قانون «وديمة»، من وجهة نظرك، كيف دعت الضرورة إليه؟
دولة الإمارات والحمد لله، ينعم كل من يعيش على أرضها، بالأمن والأمان، فهي دولة مؤسسات، ولديها من القوانين والتشريعات ما هو كفيل بتأمين حقوق الإنسان وصون كرامته وحريته.
ومن هنا جاء قانون «وديمة» ليُكمل هذه المنظومة، خاصة وأن تسميته جاءت بتوجيه من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إذ إن الطفلة وديمة لم تكن سوى ضحية للعنف الأسري، ولظروف تربيتها التي حرمتها من حقوقها، فلو كان هذا القانون موجوداً لما تعرضت إليه، فهو ينص على معاقبة كل من تسبب في إلحاق الأذى بأي طفل، أو كان طرفاً في تعريضه للإهمال، أو العنف أو الحرمان من الحقوق، حتى وإن كان من أقرب الناس إليه.
أعددتم دراسة ميدانية، تتفق وطبيعة قانون وديمة، هل لك أن تعطينا فكرة عنها؟
انطلاقاً من تأكيد صاحب السمو نائب رئيس الدولة، أن لجميع الأطفال دون تمييز، الحق في حياة كريمة آمنة وبيئة مستقرة ورعاية دائمة، وحماية من أية مخاطر أو انتهاكات، فإن مصلحة الطفل لابد أن تكون مقدمة على أية مصلحة أخرى، وأن احتياجاته الأساسية وحقوقه واجب، علينا جميعاً التعاون من أجل تحقيقها. وفي إطار مسؤوليتنا كجهة استشارية وتدريبية متخصصة في مجال الطفولة ومعتمدة عالمياً.
أعددنا دراسة ميدانية عن دور معلمات مراحل الطفولة المبكرة في حماية الأطفال، وعوائق التبليغ عن حالات الإساءة والعنف ضد الطفل. وقد رصدنا من خلالها، مواقف معلمات الحضانة تجاه حماية الأطفال في دولة الإمارات.
تشير الحقائق إلى أن كثيراً من حالات الإساءة للأطفال، تكون بسبب الأسرة، بشكل أو بآخر، ما مدى صحة ذلك؟
من خلال متابعتنا للكثير من الحالات، وخاصة في الحضانات والرياض، وجدنا أن الطفل عندما يفتقد الرعاية والاهتمام به من داخل الأسرة، وخلال مراحل النمو المبكرة، يكون أكثر عرضة للعنف والإساءة، بل وللتحرش الجنسي، عن مثله ممن يلقون قدراً متوازناً من الرعاية داخل الأسرة.
ولذلك، فمن الضروري جداً أن تعي الأسر أن رعاية الطفل وحمايته وتعليمه أسس التعامل مع الآخرين، وفهم ما يدور من حوله، لابد لها من أن تبدأ من البيت أولاً، ومنذ اليوم الأول للولادة، وأن يكون الأم والأب على دراية بالمخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الطفل في المجتمع.
هل لديكم نسب أو مؤشرات معينة في هذا الصدد؟
نعم، لقد أثبتت الدراسات الخاصة بحالات الاعتداء على الأطفال، أن أكثر من 80% منهم، يتعرضون للاعتداء أو الإهمال من قبل أشخاص مقربين منهم ويثقون بهم. وفي معظم هذه الحالات لا تتجاوز أعمار هؤلاء الأطفال الأربع سنوات. كما أن أكثر من 71٪ من حالات الاعتداء على الأطفال، تتم من قبل أحد أفراد الأسرة البيولوجية، وفقاً للإحصاءات الدولية (توتشي وآخرون 2006).
كما تشير الدراسات إلى أن 89% من حالات الإساءة والعنف ضد الأطفال تقع على الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، وهي من الفئة العمرية منذ الولادة وحتى ثماني سنوات.
سامية القاضي: أمية «الحاضنات» انتهاك صريح لبـــراءة الأطفال
هل الحالات التي تستوجب حماية الطفل، تكون فقط عند استخدام العنف ضده، أو الإساءة إليه؟
حماية الطفل، لا تقتصر على حالات العنف والإساءة والاعتداء الجسدي أو الجنسي فقط، بل تشمل الاعتداء بالضرب أو الرمي الذي يستوجب حماية الطفل، كذلك الاعتداء العاطفي كالتقريع والشتم، أو التقليل من شأن الطفل، أو أي نوع من أنواع الإهمال في التربية أو التغذية أو الصحة مثلاً، فكلها من العوامل الرئيسة التي تستوجب حماية الطفل، لأنها تؤثر تأثيراً سلبياً ومباشراً في بناء شخصيته.
ولذلك نسعى في «الطفل العربي»، وبالتعاون مع المؤسسات المحلية والعالمية والجهات المعنية والمختصة، إلى نشر الوعي لدى طلبة المدارس وأولياء الأمور والمجتمع بشكل عام، عن كيفية التعامل مع الطفل وأهمية حمايته وضرورة التدخل المبكر لوقاية أطفالنا وحمايتهم بقدر الإمكان من التعرض لأي أذى من أي كان.
ما أهم أسباب حالات العنف أو الإساءة والإهمال التي يتعرض لها الطفل؟
هناك أسباب عدة، تختلف باختلاف البيئات والثقافات، لكننا بشكل عام، نذكر أهمها مثل: تعرض البالغين المحيطين ببيئة الطفل لعوامل وظروف متباينة، مثل الضغوطات النفسية، والمشاكل المالية، والإرهاق في العمل، وفقدان مهارات التربية وخصوصاً التربية الجنسية، فضلاً عن التأثير المباشر والخطير للمشاكل العائلية والعنف الأسري والعنف ضد المرأة، وأيضاً، العنف اللفظي والجسدي بكافة أنواعه.
أما بالنسبة للعوامل التي تتعلق بالأطفال ذاتهم، فهي الإعاقة بأنواعها الجسدية والعقلية، وسوء التغذية ونوبات الغضب. كما أن العنف ضد الأطفال والإساءة يحدث في مختلف المستويات الاجتماعية والثقافية والتعليمية.
نعود إلى دراسة ميدانية قمتم بها عن دور المعلمات في حماية الطفل، هل لك أن تعطينا فكرة عن هذا الموضوع؟
هناك حقيقة تقول إن معظم البلاغات التي تتم عن الإساءة أو العنف ضد الطفل، تكون من الحاضنين له والأمناء عليه، ومنهم: فئة المعلمات في الحضانات، ورياض الأطفال، والمعلمين في المدارس، والأطباء في المستشفيات. وعليه ركزنا من خلال هذه الدراسة الميدانية، على فئة معلمات الحضانات، والعوائق التي تواجه إجراءات التبليغ عن حالات الإساءة والعنف ضد الطفل، ومعرفة مدى وعيهن بالجهات المعنية المختصة بحماية الطفل.
وتبين لنا أن نسبة كبيرة، منهن يفتقدن الدراية الكافية بإجراءات حماية الطفل، وهذا الأمر الشبيه بالأمية، يُمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق وبراءة الأطفال، فكيف نأتمن شخصاً على طفل، وهو لا يعرف كيف يحميه. هناك أيضاً عوائق كثيرة تواجه الحاضنات عند الإبلاغ عن حالات الإساءة ضد الأطفال أهمها: الخوف الشخصي من العواقب، وأمور أخرى تتعلق بجمع الأدلة والإثباتات والبراهين والقلق وعدم تفهم إجراءات التبليغ والأنظمة والقوانين الكفيلة بحماية الطفل.
إذاً، ما الدور المطلوب من «الحاضنة» لحماية من تقوم على رعايتهم من الأطفال؟
المعلمة أو الحاضنة لها دور مهم جداً في حماية الطفل، من خلال التعرف على حالات الإساءة، أو العنف التي يتعرض لها، ومن ثم اتخاذ إجراءات مبكرة لحمايته. فهناك نسبة كبيرة من معلمات الحضانات، سبق أن مرت عليهن حالات إهمال أو إساءة للطفل، وهو ما يؤكد أهمية دور هذه الفئة، في المراحل المبكرة من الطفولة.
والتي تكون من سن الولادة إلى ثمان سنوات. كما أن لهن تأثيراً كبيراً على الأم والأب، عندما يتعلق الأمر بقضايا التربية والرعاية داخل الأسرة، فالعلاقة بين المعلمات أو الحضانات والطفل وأولياء الأمور، لابد أن تكون قوية حتى يُمكن تقديم المساعدة، والتوعية اللازمة، وتقديم المشورة لأولياء الأمور في كيفية التعامل مع الأطفال، ومنع سوء معاملتهم.
حالات الاشتباه
اعتبرت سامية القاضي أن وعي معلمات الحضانات في ما يتعلق بسياسات حماية الطفل ومعرفتهن بالسلطات المعنية للإبلاغ عن حالات العنف والإساءة إلى الأطفال، يشكل تحدياً كبيراً أمام المختصين، إذ فشلت 46% من المعلمات في تحديد السلطات المسؤولة أو الجهات المختصة عن حماية الطفل.
وأن بعض المعلمات يواجهن عوائق كثيرة عند التبليغ عن حالات الاشتباه في إساءة معاملة الأطفال، فقد عبرت 98% من المعلمات عن قلقهن بشأن ما يمكن أن يحدث لهن، إن أصدرن تقييماً خاطئاً في قضية إساءة معاملة الأطفال، وأن 89% منهن يساورهم القلق من غضب الوالدين، أو ما قد يسببه التبليغ من تفاقم مشكلة الطفل بدلاً من مساعدته.


