تاريخ طويل ممتد، يصعب إيجازه للكشف عن نشأة التعليم الفني وانتشاره، وتأسيس ثانويات التكنولوجيا التطبيقية، ثم عودة المدارس الفنية مرة أخرى للظهور، في وقت حقق التعليم الفني ممثلاً في ثانويات التكنولوجيا ريادة غير مسبوقة، على مستوى المنطقة، وأفرز عقولاً نابغة تبدع، وتتحرك معها الأنامل المبتكرة.
تاريخ ممتد يعود إلى العام 1958 مع نشأة أول مدرسة صناعية في الدولة، وبالتحديد في إمارة الشارقة، وهو تاريخ مليء بالأحداث والتحولات، التي تنبئ عن عمق لافت لرؤية الدولة لمستقبل أبنائها.. في هذا الحوار يفتح لنا إبراهيم الأكرف مدير إدارة التعليم الفني في وزارة التربية والتعليم سابقاً، والمسؤول الحالي في الوزارة عن ملف التعليم الفني والمهني، والمنسق العام بين الوزارة وإدارات ثانويات التكنولوجيا والمدارس الفنية في الدولة.. صفحات من هذا التعليم المهم.
في مستهل الحوار وقبل طرح علامات الاستفهام، يبادر إبراهيم الأكرف قائلاً: لن تجد دولة في العالم لديها حرص شديد على تعليم أبنائها وفتح المجال وتقديم الفرص والخيارات المتنوعة للتعليم، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، ولن تجد طلاباً لديهم هذا الأفق من الاستجابة السريعة لمتطلبات السوق واحتياجات التنمية مثل أبناء الدولة.. سؤالنا الأول الذي قد يبدو تقليدياً قفز إلى طاولة إبراهيم الأكرف، وبه علامة استفهام كبيرة تقول:
حدثنا عن نشأة وتطور التعليم الفني وانتشاره، ولماذا حملت وزارة التربية والتعليم في وجهه إشارة (توقف)؟!
التعليم الفني كما تقول الوثائق تعود نشأته إلى العام 1958، وقد بدأ بافتتاح المدرسة الصناعية في الشارقة، ثم الصناعية في دبي عام 1964، ولحقت بها الفصول التجارية في العام 1965، والمدرسة الصناعية في رأس الخيمة عام 1969، ثم تم تحويل مركز الأبحاث الزراعية برأس الخيمة إلى مدرسة زراعية عام 1972.
والفصول التجارية برأس الخيمة 1989، وامتدت الفصول التجارية نفسها إلى أبوظبي والشارقة في العام 1991، ثم العين فالفجيرة.هذا ليس مجرد سرد تقليدي، وإنما خريطة واضحة تشير إلى مظاهر أو حركة التوسع الأفقي والرأسي التي شهدها التعليم الفني في الدولة.
وهي تعكس مدى الاهتمام البالغ بنشر هذا النوع من التعليم بالتوازي مع التعليم العام الذي بدأ ينمو سريعاً مع قيام الاتحاد، مفاد السرد هو أن ثمة نجاحاً لافتاً ظهر في التعليم الفني، ومعه بدت الحاجة الشديدة لمخرجاته لرفد سوق العمل بفنيين مهرة. وهنا لا يمكنك اختزال مرحلة مهمة من التحول للسؤال عن توقف التعليم الفني، الذي عاد الآن إلى الساحة التعليمية بدور مختلف أو إن صح التعبير بدور أكثر تطوراً.
لا أقصد اختزال مرحلة التحول التي تتحدثون عنها، وإنما السؤال هو لماذا اختفت المدارس الفنية، التي تتحدثون عن ظهورها الآن؟
في العام 2003 صدر قرار من مجلس الوزراء بإلغاء التعليم التجاري والزراعي تدريجياً، وإحالة التعليم الصناعي إلى كليات التقنية العليا لإدارته وتشغيله، وكانت هناك دراسة لوزارة التربية تفيد بضرورة إحداث هذا التحول، مواكبة لمتطلبات التنمية، وتحقيقاً لهدف رفع مستوى قدرات أبناء الدولة في تخصصات علمية تطبيقية بعينها، يحتاجها سوق العمل، وجاء القرار بربط التعليم الصناعي بكليات التقنية لتعزيز تلك الأهداف.في العام الدراسي (2005/2006)، أحيلت المدارس الثانوية الصناعية من كليات التقنية العليا إلى معهد التكنولوجيا التطبيقية في أبوظبي، لتبدأ الطفرة النوعية.
ومعها يمتد انتشار المعاهد إلى دبي ورأس الخيمة والفجيرة والعين. لنجد أنفسنا الآن أمام طالب نموذجي، يمتلك من المهارات العلمية والعملية ما يضاهي نظيره في أي من الدول المتقدمة. وهنا تجدر الإشارة إلى الجهود الكبيرة التي تبذلها إدارة المعهد، التي تحرص على تنفيذ التوجيهات السديدة للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
إبراهيم الأكرف: عودة المدارس الفنية تمنح الشباب فـــــرصة اختيار الأفضل
يبدو من حديثكم عن التحول، أن ثمة مطلباً كان ضرورياً وقتئذ، فيما خرجت أصوات تشير إلى تأزم التعليم الفني ومسيرته قبل صدور قرار إلغائه، بماذا تفسر ذلك؟
أولاً: كان التحول مطلباً ملحاً لمواكبة التقدم على المستويين المحلي والدولي، فالدولة تشهد الكثير من الإنجازات المتسارعة في شتى المجالات، في الوقت نفسه فقد كانت وتيرة التطور على المستوى العالمي أيضاً سريعة، وكان التفكير في استمرار مدارس فنية تجارية وزراعية، يشير إلى عدم مناسبة ذلك لما يجري من حولنا في هذه الآونة. لذا تم الإبقاء على التعليم الصناعي مع تطوير مضامينه وأساليبه وأهدافه التي أصبحت شديدة الصلة بالتقنيات والعلوم الهندسية المتقدمة.
أما ما خرج من أصوات حول تعثر التعليم الفني ومدارسه، فأقول إن المدارس الفنية كانت في مقدمة أولويات وزارة التربية، وقد كانت هناك خطة واضحة لتطويرها، وجهود كبيرة بذلت في هذا الشأن، لا يمكن غض الطرف عنها، وأذكر على سبيل المثال أن الوزارة استعانت في مراحل التطوير المتتالية بالمؤسسة الألمانية العريقة (GTZ)، وبعدها بفريق من خبراء جامعة جورجيا الأميركية، ومعهد موناكو للتكنولوجيا النيوزلندي، وكانت هناك خطة للتطوير، وأهداف محددة.
انتقل التعليم الصناعي إلى ثانويات التكنولوجيا التطبيقية، وهناك تعاون وثيق ومثمر بين وزارة التربية وإدارة الثانويات، هلا تحدثنا عن طبيعة العلاقة وحدود المسؤوليات، لاسيما ما يخص وزارة التربية؟
في إطار الشراكة الاستراتيجية بين الوزارة وإدارة ثانويات التكنولوجيا التطبيقية، ومركز أبوظبي للتعليم والتأهيل المهني، تتولى الوزارة مجموعة من المهام والاختصاصات من بينها:
اعتماد الخطط الدراسية والمناهج والمقررات، وتدقيق واعتماد سجلات الطلبة وكشوف الدرجات والشهادات، والإشراف على مقررات الوزارة في مادتي (التربية الإسلامية واللغة العربية) ومتابعة نظم الامتحانات، إلى جانب التنسيق مع إدارة الثانويات والمركز، فيما يخص الاستعانة بمؤسسات فنية دولية لتقييم الأداء، وغير ذلك من المهام التي تنفذ بتعاون ورؤى مشتركة تستند إلى تغليب المصلحة العامة ومصلحة الطالب.
مع الاهتمام المتزايد بثانويات التكنولوجيا التطبيقية، وما حققته من إنجازات تضاهي مثيلاتها في الدول المتقدمة، تطل علينا مرة من جديد المدارس الثانوية الفنية في صورة تحتاج إلى تفسير وإيضاح؟
أود الإشارة أولاً إلى أن التخصصات العلمية في ثانويات التكنولوجيا التطبيقية مصنفة عالمياً ضمن المستويات المتقدمة والرفيعة، وهي لها مساراتها وأهدافها، إذا ما نظرنا إلى المقررات العلمية التي يدرسها الطالب نظرياً وعملياً، وإن كنت أرى أن الحديث عن الثانويات بشكل موسع يفضل أن يكون مع أحد من مسؤوليها، فهم الأجدر بذلك، لكنني أذكر فقط بأن الثانويات تجاوزت مراحل وسنوات في زمن قياسي.
مقارنة بإنجازاتها الكبيرة التي تعكس الجهود المخلصة لإدارتها، وأشير إلى أن للثانويات أهدافها ودورها في إعداد أبناء الدولة وتأهيلهم للالتحاق بأعرق الجامعات والكليات المتخصصة سواء داخل الدولة أو خارجها. إذاً هناك مسار يتضح لمخرجات الثانويات، وطبيعة عمل ينتظرها سوق العمل، وهي في الأساس ضمن مقتضيات التنمية ومقوماتها الرئيسة، ومن ثم فإن الحديث عن عودة المدارس الثانوية الفنية، ينقلنا إلى مسار أو طبيعة عمل أخرى، أيضاً ينتظرها السوق بمجالاته المختلفة.
وأقول إن المدارس الثانوية الفنية، هي مبادرة مستحدثة موجهة نحو شريحة معنية من الشباب الإماراتي، ممن ينبغي توفير المناخ التعليمي المناسب لها، الذي يؤهلهم لوظائف وفرص موجودة في قطاعات إنتاجية وميادين عمل كثيرة، والقضية هنا كما ذكرنا من قبل، هي منظومة تعليمية متكاملة، يسعى القائمون عليها إلى استثمار قدرات أبناء الدولة.
وتوجيه طاقاتهم على نحو أفضل، وبما يلبي احتياجات التنمية المستدامة، أي أنه ليس هناك أي تعارض في الأهداف، أو تشابه أو تكرار في المسارات، وإنما هو التطوير الشامل والمتكامل، الذي ينبغي أن يكون في دولتنا التي تسابق الزمن بازدهارها ورخائها وتقدمها.

