مجتمع يطمح إلى عوالم المعرفة، لابد له من أن يدرك حقيقة غاية في الأهمية، وهي أن تكوين ثقافة المعرفة يجب أن تتم عن طريق استخدام المعلومات والمؤشرات لإنتاج معرفة جديدة. ولا تتم باقتناء التقنيات والأجهزة المتطورة وجمع المعلومات دون تحليل واستنتاج.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، يقول الدكتور فيكتور بلة الخبير الدولي في التربية والتعليم: إذا أخذنا مؤشر (القدرة على تحليل المعلومات التربوية، واستخدامها في اتخاذ القرارات التربوية)، للدلالة على دخولنا إلى عالم المعرفة، أرى أننا ما زلنا بعيدين عنه كثيراً. فهذا الموضوع يحتاج إلى كثير من الجهد والتخطيط والتنفيذ... ومعه نتابع اللقاء:

 

د. فيكتور، ما أبرز الإشكاليات التي يُعاني منها التعليم في الوطن العربي؟

أبرزها تحديداً، غياب الاستراتيجيات التربوية المعالجة للقضايا الأساسية. وأهمها ارتفاع نسب الأمية في عدد كبير منها، خاصة أن هناك نحو 90 مليون أمّي عربي فوق سن الخامسة عشرة، منهم أكثر من 50 مليونا في خمس دول فقط، وهي من أعلى النسب في العالم بعد نسب الأميّة في دول إفريقيا جنوب الصحراء.

والقضية الأخرى الهامة هي تدني جودة التعليم مقارنة مع دول العالم الأخرى، فالكثير من الدول العربية لديها همُّ واحد، إذ تشكو من عدم مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات التطور الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي، وبالتالي نشاهد انفصاماً واضحاً بين ما يجري في المدارس، وبين ما يعيشه الفرد في مجتمعه.

لكن لدى الكثير من الدول العربية، خطط وطنية طموحة لتطوير التعليم؟

نعم، هناك دول سعت بجدية وبقوة في هذا الاتجاه، ودول أخرى أكثر منها أعدت خططاً لتطوير التعليم حتى العام 2020م، وخاصة بعد عام 2000، نتيجةً لتوصيات منظمات الأمم المتحدة، المشاركة في مؤتمر داكار في السنغال وقتها. لكننا نتساءل الآن: أين هي هذه الخطط، وماذا تم فيها؟ هل تم تقييم مخرجاتها في الأعوام السابقة؟

 وما مدى مؤشرات إنجاز أهدافها؟ وهل تم تطوير العمليات التربوية: المناهج، وبرامج تدريب وتأهيل المعلمين، وتزويدهم بالمهارات الجديدة، بناءً على ما تظهره نتائج التقييم، إذا ما كانت قد تمت؟ وهل تمّ التحقق من تحسين طرق معالجة أكبر للمشكلات التي يعاني منها العالم العربي بشكل خاص، مثل ارتفاع نسبة الأميّة فيه؟

ربما أغلب إشكاليات التعليم العربي، تنشأ بسبب العشوائية وغياب التخطيط. تُرى ما تأثير ذلك على التعليم؟

 

تفشي مثل هذه الظواهر، يكون عادة، نتيجة حتمية لغياب الخطط الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم، المنبثقة من خطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية لأي دولة. إذ إن منظومة التربية والتعليم، في أي مجتمع تُعد الأكثر تعقيداً، لأن كافة السياسات التربوية المتعلقة بتوفير فرص الالتحاق بالتعليم والمساواة، وملاءمة حاجات المجتمع والكفاءة وجودة التعليم، كلها تتأثر بهذه العوامل، ومنها المجتمع:

العالمي والإقليمي والوطني والمحلي، بمكوناته المتنوعة: العائلة والطلبة والمعلمون والمناهج وأساليب التعليم والمرافق التعليمية والإدارة والإمكانات المالية. كما أن التعليم يؤثر بالتالي على هذه العوامل سلباً وإيجاباً. المهم في الأمر أن ينجح التعليم في معالجة الجوانب السلبية، وتحويلها إلى إيجابية، حتى يكون التأثير في العوامل الاجتماعية قوياً.

 

«الاستقلال والأرز»

 

 

 

الدكتور فكتور بلّة، يعمل حالياً مستشاراً تربوياً غير متفرغ للبنك الدولي ولمنظمة اليونسكو. عمل خبيراً تربوياً في البنك الدولي بواشنطن، وتخصص في مجال التعليم العالي بالصين ودول شرق آسيا، وهو مدير سابق لمكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية.

وأستاذ وعميد جامعة اليرموك لمدة 20 عاماً، وأول رئيس مؤسس للمركز الوطني للتطوير التربوي في الأردن. حاصل خلال مسيرته على وسام الاستقلال من الدرجة الأولى، من المغفور له جلالة الملك حسين عام 1998، ووسام الأرز رتبة ضابط من رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق إميل لحّود عام 2005.

مجتمع المعرفة يحتاج ثقافة جديدة للكفاءة وتحليـــــــــــل المعلومة

 

 

بكل صراحة د. فيكتور، أين نحن الآن من مجتمع المعرفة؟

هناك مؤشرات واضحة وعديدة إلى أن الدول العربية تقتني الوسائل والتجهيزات اللازمة للدخول إلى عالم المعرفة من الناحية التقنية، مثل: امتلاك شبكات الاتصال، والأجهزة المتطورة، والاشتراكات في شبكة الانترنت، والتعامل مع وسائل الاتصال الاجتماعية الحديثة.

وغيرها من المظاهر. لكن دخول مجتمع المعرفة، يحتاج إلى تكوين ثقافة جديدة تعنى بالكفاءة والقدرة لتحليل المعلومات المتاحة وتوفيرها للمؤسسات العامة والخاصة، لاستخلاص ما هو مفيد منها، واستخدامها في عمليات التخطيط، واتخاذ القرارات الصائبة.

وما دور عملية التخطيط التربوي، في تعزيز خطوات عصرنة التعليم عربياً؟

لا يمكن أن نتقدم بثبات نحو عصرنة التعليم العربي، دون وجود خطط تربوية جادة، يتم إعدادها برؤية واضحة، وسياسات تربوية سليمة، واستراتيجيات هادفة. ومن الضروري أن تتضمن هذه الخطط التربوية، آليات لقياس مدى التقدم للحصول على معلومات ومؤشرات تربوية. ويشترط أن تتم عملية تحليل الواقع التربوي وتحديد جوانب الضعف والقوة، حتى نتمكن، بالتالي وضع الخطط لمعالجة القضايا التربوية.

إلى أي مدى يُمكن أن تساهم المؤشرات التربوية، في عمليات دعم القرار التربوي، وتعديل المسار؟

استخراج المؤشرات التربوية، أمر ضروري للتطوير التربوي، إذ تستخدم في عمليات التخطيط، وبناء البدائل الممكنة للمفاضلة بينها، وبين عمليات اتخاذ القرار المستند إلى معلومات موثوقة وفي الوقت المناسب. كما تُستخدم في تحليل الواقع التعليمي، ووضع السياسات التربوية، وإعداد الدراسات والبحوث، لتقييم فعالية وكفاءة النظام التربوي، والبرامج المختلفة، وتقديم تغذية راجعة لصانعي السياسات، ومنفذي القرارات، ولتوعية الرأي العام وتقييم المبررات للقرارات الصعبة.

أين نقف الآن من مستويات التعليم العالمية، وكيف نصل إليها؟

هناك اختبارات دولية تقيس مستوى التحصيل للطلبة في مستويات التعليم المختلفة، وخاصة في مجال العلوم والرياضيات، ومباحث أخرى. وقد كانت نتائج التحصيل للدول العربية المشاركة دون الطموح. من هنا نرى أن هناك حاجة ماسة في الدول العربية لإنشاء نظم مؤسسية لقياس التحصيل في التعليم في مباحث العلوم والرياضيات واللغات والعلوم الاجتماعية، على الأقل كل ثلاث سنوات، ولابد من تشجيع الدول العربية، على المشاركة المستمرة في اختبارات التحصيل الدولية، لمعرفة موقعها بين الدول، وتحفيزها لاتخاذ إجراءات رفع جودة التعليم.

كيف لنا أن نصل، أو نقترب من مستويات التعليم العالمية؟

إن مأسسة نظام التحصيل التعليمي، على المستويين الوطني والدولي، لا يقل أهمية عن مأسسة نظام إدارة المعلومات التربوية. وبدون هذين النظامين لن تكتمل عمليات التطوير. ولكي تتمكن الدول العربية، من الوصول إلى مستويات عالمية لا بدّ لها من تكوين الكوادر المتخصصة بإنشاء قواعد البيانات وتحليل أوضاع المؤسسات التربوية، وإجراء المسوحات، وما إلى ذلك.

بم تفسر ضعف مخرجاتنا التعليمية العربية، وخاصة في المجالات العلمية والبحثية، وعدم تلبيتها لمتطلبات سوق العمل؟

معظم الدول العربية، تفتقر إلى الأعداد الكافية من الموارد البشرية المدرّبة في هذه المجالات، لذلك لا بدّ من إعداد هذه الكوادر عن طريق تزويدهم بدورات وبرامج تدريبية متخصصة.

ويمكن لهذه الدول الاستفادة من المعهد الإقليمي للتخطيط التربوي، في دولة الإمارات الذي تم إنشاؤه من قِبل المؤتمر العام لليونسكو، ووفق اتفاقية موقعة مع منظمة اليونسكو، التي تقدم له الدعم الفني في مختلف البرامج التي يقدمها المعهد الدولي للتخطيط التربوي في باريس. كما يمكن للمركز الإقليمي أن يُعد دورات متخصصة لأي دولة عربية، أو مجموعة دول حسب حاجتها التربوية.

د. فيكتور، ما أبرز التحديات التي تواجه عملك بصفتك خبيراً تربوياً دولياً، وطريقك إلى التغلب عليها؟

أبرز التحديات التي تواجه عمل الخبير الدولي، هي إقناع المسؤولين في الإدارات العليا، لبناء نظم مؤسسية توفر بوجودها، ضمان استمرارية العمل على المدى الطويل، وبشكل علمي ومنظم، وفق رؤية واضحة، واستراتيجية مرنة، وخطط تربوية يتم إعدادها بعد إجراء عمليات تحليل للواقع التربوي، وحصر القضايا التربوية المهمة، ضمن أولويات واضحة.

إذ لابد لأي دولة تريد النجاح في تطوير نظامها التربوي، أن يكون لديها تصور شمولي لأي خطة تريد تنفيذها، ولها معايير محددة لتحقيقها. لأن معالجة جوانب مختارة من القضايا التربوية وبشكل جزئي، لا تؤدي بالنهاية إلى تحقيق أهداف السياسات التربوية ولا إلى تطوير متكامل ومتوازن للنظام التربوي، ولن تحقق شيئاً على الإطلاق.

 

عشوائية القرار

 

 

لدى الدكتور فيكتور بلة قناعة نتيجة لخبراته الطويلة مفادها، أنه لكي تتمكن أي دولة من تحقيق أهدافها الاستراتيجية لابد لها أن تضع سياسات تربوية، واستراتيجيات وخطط قابلة للتنفيذ وللمتابعة، لقياس الأداء وتقييمه دورياً، وللتأكد من حصول تقدم في النظام التربوي. وإذا ما تم ذلك ستنتفي الحاجة للجوء إلى القرارات الفردية والعشوائية، والمزاجية في اتخاذ القرار، ما يساعد على إقناع المجتمع بضرورة تقديم الدعم المستمر لخطط ومشاريع تطوير التعليم وتقدمه.