قبل أن تتلاشى الرحلة الرائعة التي نعيشها مع الكتاب، بكل ما يحمله من عبق وشغف واحترام للعقول. وفي رحاب المكتبات ننهل من علومها ومعارفها وثقافاتها، ونتعلم من كنوزها قيمة الكلمة وسرها وسحرها وتاريخها العامر بسير العلم والعلماء والكتاب والمفكرين والباحثين، نقول قبل أن تتلاشى هذه الرحلة وتفقد بريقها وألقها بسبب هوس الكثير منا وأبنائنا بالتقنيات الحديثة والمواقع الإلكترونية، التي قد تنزع حلاوة الكلمة، وقيمة الكتاب، وتصدر للعقول العديد من المغالطات والأفكار المسمومة.
كان لابد لنا من هذه الوقفة مع خديجة أحمد عبدالله، رئيس قسم التقنيات ووسائل التعلم بوزارة التربية والتعليم، التي أكدت من خلالها أن التقنيات الحديثة لن تستطيع «تجفيف» مصادر التعلم، بل لابد من إيجاد مخرج لـ «محنة الكتاب»، ووسيلة شافية لتطويع التكنولوجيا الحديثة، لخدمة المكتبة ووضعها في قلب المنافسة.
تتجه وزارة التربية إلى إلزام المعلمين، بضرورة إعداد الأبحاث الطلابية داخل المكتبات المدرسية، هل تستطيع هذه الخطوة تعزيز دور الكتاب؟
تؤكد النظريات التربوية الحديثة، على ضرورة تبني أسلوب التعلم الذاتي، لضمان مخرجات تعليمية مؤهلة. ويمثل حالياً مركز مصادر التعلم، المكان الأنسب لتفعيل هذا الأسلوب، حيث تتوفر فيه العديد من المصادر، على اختلافها، من كتب ودوريات ومراجع وخرائط وصور وأفلام وشرائح وشفافيات وأشرطة سمعية وبصرية وأقراص بأنواعها، وغيرها من مقتنيات المكتبة.
ومن هنا فهذه المراكز تكون قادرة وبقوة على إعادة «الود المفقود» لأبنائنا مع الكتاب، بل هي كفيلة أيضاً بتعزيز مبدأ البحث والاستطلاع والتقصي، وإعمال الفكر وتحليل المعلومة، وتقديمها بشكل جديد ومتطور.
في ظل ديناميكية إنتاج المعلومة، كيف تتمكن وزارة التربية، من إدارة المكتبات المدرسية، بشكل متطور؟
أولت وزارة التربية اهتماماً كبيراً بالتعليم الإلكتروني. وفي ظل ثورة المعلومات، وما تتسم به من ديناميكية ناتجة عن التغيرات السريعة المتلاحقة في إنتاج المعلومة، وأيضاً، في وسائل وأشكال الخدمات اللازمة لتيسير سبل الإفادة من هذه المصادر.
فإن تسجيل ونشر المعلومات إلكترونياً يعتبر من الأهداف التي تسعى الوزارة جاهدة إلى تحقيقها. لذا فقد تضمنت استراتيجياتها تطوير أداء المكتبات وخدماتها، من خلال تطبيق نظام إلكتروني متكامل ومعتمد دولياً وفق أحدث المعايير لإدارة المكتبات المدرسية. ويعمل النظام من خلال بيئة عمل الإنترنت والشبكات الداخلية أي من داخل المكتبة، ومن وخارجها عبر الويب. وسيتم تنفيذ المشروع مع بداية العام الدراسي 2012/2013م.
هل يمكن تعريفنا على آلية عمل هذا النظام الإلكتروني المتكامل؟
وفقاً للخطة الزمنية المحددة لهذا النظام، سيتم تركيبه بالكامل في الوزارة، ثم تحميل نسخة منه بعدد 50 مكتبة مدرسية، في المرحلة الثانوية بدبي والمناطق الشمالية، ثم تنفيذ دورات تدريبية مكثفة لاختصاصي مراكز مصادر التعلم، المستهدفين باستخدام النظام، وذلك لضمان نجاح عملية التطوير، والارتقاء بمفهوم المكتبة وأسلوب تأدية الخدمات بها لمستويات متقدمة.
وبدرجة عالية من الوضوح والكفاءة، والمشاركة من خلال شبكة الإنترنت في إتاحة المعلومات ومصادر التعلم، مع إمكانية الربط بين تلك النظم في مرحلة لاحقة، من أجل تكوين فهرس موحد للمكتبات. ما يتيح البحث في المقتنيات المختلفة، وإجراء عمليات الاستعارة عن بعد، والبث الانتقائي للمعلومات، والكشف عن الدوريات ومتابعتها، وتحليل محتوياتها والتعامل مع واجهات التطبيق باللغات المختلفة.
سبورة باللمس
السبورة التفاعلية المتطورة، من أحدث الوسائل التعليمية المستخدمة في تكنولوجيا التعليم. وهي نوع خاص من اللوحات، أو السبورات البيضاء الحساسة التفاعلية، التي يتم التعامل معها باللمس. ويتم استخدامها لعرض ما يوجد على شاشة الكمبيوتر من تطبيقات متنوعة. وهي تسمح للمستخدم بحفظ ما تم شرحه للآخرين، وتخزينه وطباعته وإرساله، عن طريق البريد الإلكتروني، في حالة عدم تمكنهم من التواجـد في المحيط. كما أنها تمتاز بإمكانية استخدام معظم برامج مايكروسوفت أوفيس، والإبحار في برامج الانترنت بكل حرية.
التقنيات الحديثة لا يمكنها «تجفيف» مصادر التعلم
من وجهة نظرك أستاذة خديجة، وبصراحة هل نستطيع حالياً، تطويع التكنولوجيا الحديثة، لخدمة المكتبات ومصادر التعلم؟
في ظل سعي وزارة التربية والتعليم الدؤوب، لمتابعة التقنيات الحديثة في مجال التعليم، واستكمالا لتزويد المكتبات المدرسية بـ «السبورات التفاعلية»، سيتم تزويد 112 مكتبة في مدارس الحلقة الثانية والثانوي بسبورات تفاعلية حديثة.
ما يسهم بشكل مباشر في إثراء المادة العلمية، من خلال إضافة أبعاد ومؤثرات خاصة وبرامج مميزة، تساعد في توسيع خبرات المتعلم وتيسير بناء المفاهيم واستثارة اهتمام المتعلم وإشباع حاجته للعلم، لكونها تعرض المادة بأساليب مثيرة ومشوقة وجذابة.
وتُمكن من تفاعل جميع المتعلمين مع الوسيلة، خلال عرضها. مع إتاحة الفرصة لمشاركة بعضهم في استخدام الوسيلة، ويترتب على ذلك بقاء أثر التعلم، ما يـؤدي بالضرورة إلى تحسين نوعية التعلم ورفع الأداء عند الطلبة والمتدربين.
يرى البعض أن دور أمناء المكتبات، تقليدي وأن ثقافاتهم غير متوافقة مع عصرنة مصادر التعلم، والتعامل مع الطلبة المتطورة عقولهم، ورغباتهم؟
يبرز الدور المحوري، لأمين مركز مصادر التعلم، في الاختيار والاقتناء والتنظيم والإعداد، لمختلف أنواع وأشكال مصادر التعلم التي وفرتها المخترعات الحديثة في مجال تكنولوجيا المعلومات. بحيث تناسب قدرات الطلبة ومستوياتهم ورغباتهم، وتلبي في الوقت ذاته، احتياجات المناهج الدراسية ومتطلبات العملية التعليمية.ونقوم بشكل مستمر، بتنفيذ مجموعة من الدورات التدريبية التأهيلية المتقدمة للأمناء.
بحيث يصبحون متوافقين مع عصرنة مصادر التعلم، كذلك يتم تنظيم دورات تدريبية، أخرى لهم، في بداية أي تزويد تقني لمصادر التعلم، فضلاً عن دورات تنشيطية، للتأكد من تمكنهم، وقدرتهم، على التعامل مع مستجدات العصر، ومجاراة التطور التكنولوجي.
آخرون لديهم اقتراح، بتضمين وحدة دراسية من المناهج المدرسية، تُعنى بتوعية الطلبة بقيمة القراءة والمطالعة، وترغيبهم في المكتبة؟
من وجهة نظري، أقترح بأن يتم الإشارة في الكتب المنهجية، وعند الجزئيات التي بحاجة إلى البحث والدراسة والتقصي، إلى أن يتم رجوع الطالب بتوجيهات من معلم المادة إلى المكتبة المدرسية، لتغطية هذه الجزئية، وبذلك نستطيع أن نعزز من قيمة القراءة والمطالعة بطريقة غير مباشرة.
بخبرة الطبيب المعالج، كيف ننتزع أبناءنا من الأجهزة الحديثة، ونعيد للطالب الجامح عن المكتبات، ملكة القراءة، وحب الجلوس إلى الكتاب؟
لا نستطيع أن ننتزع أبناءنا من الأجهزة الحديثة، وخاصة مع تحول الدولة إلى التعليم الذكي، وإنما دورنا الحقيقي يتمثل في تطويع مكتباتنا، وتطوير محتواها وأسلوبها، بحيث تواكب التطور التقني الحديث، مع ضرورة احتضانهم في بيئة جاذبة لهم. وهذا ما قد سعينا إليه بالفعل، وننتهجه منذ تحويل المكتبة، من نمطية اعتيادية، إلى مركز مصادر تعلم، بحيث يحتوي على جميع احتياجات وأذواق طلبتنا.
رغم زخم التقنيات والاتصالات الحديثة في الدول الأكثر تقدماً، إلا أن شعوبها، وعلى اختلاف الأعمار، لا تتوقف عن القراءة، تُرى لماذا نحن نسير عكسهم؟
التقنيات والاتصالات الحديثة، لم ولن تقف في وجه من يرغب في القراءة، فأنا أعتبرها عناصر داعمة ومتاحة في كل توقيت، بل وميسّرة لعملية القراءة. ونحن متفائلون في أن تتحول شعوبنا إلى أناس يقرأون. ولكن هذا الموضوع يحتاج إلى دعم وتكاتف جميع الجهات الاتحادية، والمؤسسات الحكومية، الخاصة بإيجاد أجيال تقرأ، فليست هناك جهة بعينها تتحمل المسؤولية وحدها.
إذ إن المجتمع، على اختلاف ثقافاته وأطيافه، مسؤول عن هذا الجانب.ووزارة التربية والتعليم بذلت قصارى جهدها لإيجاد بيئة جاذبة، من خلال تطوير 100 مركز مصادر للتعلم حلقة أولى، وتزويدها بالأثاث المطور، وبأحدث الكتب والمراجع والبرمجيات والتقنيات المطورة، بحيث تصبح اللبنة الأساسية، للوصول إلى طالب محب للقراءة.
ودولتنا والحمد لله، لم تألُ جهدا في هذا الجانب، سواء من حيث إقامة معارض الكتاب الدولية سنوياً، أو تنظيم الندوات والمحاضرات الثقافية التي تحث على القراءة، إضافة إلى انتشار المكتبات العامة في أرجاء الدولة.
قبل أن تجف مصادر التعلم التي تزخر بالكتب والمراجع القيمة، كيف نُعيد ثقة الطالب فيها بلغة عصرية، ومقبولة لديه؟
تعد المكتبة المدرسية في شكلها المتطور، نظاماً فرعياً للنظام التعليمي، له مدخلاته ومخرجاته. وتعد مجموعة مصادر التعلم، من أهم مدخلات هذا النظام. فالمكتبة دون مصادر، تكون قاصرة عن تقديم خدماتها ومزاولة أنشطتها، ومن ثم تحقيق الأهداف التربوية والتعليمية التي أنشئت من أجلها. فالمصادر هي الركيزة الأساسية لخدمات أي نوع من أنواع المكتبات.
ويجب أن تتسم مجموعات المصادر بالتنوع والشمول ومناسبة المستفيدين من أفراد المجتمع المدرسي، من هذه المكتبة، حتى تقابل احتياجاتهم المتنوعة والمتجددة، ومن ثم تكسب ثقة الطالب فيها بلغة عصرية ومقبولة لديه، وهذا ما تسعى إليه وزارة التربية والتعليم بالفعل.


