لعب قطاع التعليم الخاص دوراً بارزاً ومهماً طوال مسيرة التعليم في الدولة. وكان للاهتمام البالغ بهذا النوع من التعليم آثاره الإيجابية الواسعة التي انعكست في مجموعة التشريعات والضوابط، وكذلك التسهيلات الاستثمارية التي أدت بدورها إلى نماء المدارس الخاصة وانتشارها، حتى صارت شريكاً استراتيجياً للمدرسة الحكومية في التنمية البشرية.
وهو ما جعل المدرسة الخاصة في مواجهة مجموعة من القضايا المهمة، أبرزها ضرورة تحقيق الجودة، وفي الوقت نفسه إرضاء المستهدفين من خدماتها، وتحقيق هامش الربح الذي يعينها على الاستمرار، وتحقيق أهداف أصحابها، وإدارتها.. وقضايا أخرى كثيرة تفتحها «العلم اليوم» مع رشيدة بدري المسؤولة عن التعليم الخاص لسنوات طويلة في منطقة دبي التعليمية سابقاً، عضو مجلس إدارة ومديرة مدرسة «وود جرين الخاصة» في دبي حالياً.
بداية نود أن نتعرف إلى رؤيتكم للدور الذي يفترض أن تقوم به المدرسة الخاصة لخدمة التنمية والمجتمع على وجه العموم؟
إن التطور المجتمعي لأي دولة لا يتم إلا بتطوير الموارد البشرية وتطوير قدرات الأفراد. ويقع اكتشاف الطاقات المبدعة على المدارس. وهذا يتم بتوثيق العلاقة بين المدرسة والأسرة والمجتمع المحلي بكافة جهاته.
قضية الهوية تبقى الشغل الشاغل للخبراء التربويين الذين يرون أن تعرض الطلبة لمناهج أجنبية متنوعة، يجذبهم إلى مشارب أخرى وثقافات قد تؤثر بالسلب في هويتهم، كيف ترون هذه العلاقة؟
الحضارة الإسلامية غرفت من كل الحضارات التي سبقتها حتى شكلت لنفسها هويتها الغنية وما قدمته للبشرية من تقدم. وهذا يدل على أنه لابد من الاستفادة من كل ما وصلت إليه البشرية من إنجازات. أما تأثيرات ذلك على الهوية فهذا هو التحدي الأكبر لجميع المؤسسات التعليمية، كي تنفذ المناهج وتطوعها قبل أن تقدمها لطلابها كي تتناسب مع احتياجاتهم، على أن نضع بعين الاعتبار الدين والعادات والتقاليد وإن كانت تعتبر عملية صعبة، ولكن لا شيء محال بالجهد والمتابعة.
في أي جانب يمكن أن تؤثر المنافسة بين المدارس الخاصة في اختلاف مناهجها الدراسية: مستوى الخدمة التعليمية، أم مستوى الرسوم الدراسية؟
إن المنافسة الحقيقية بين المدارس الخاصة يجب أن تكون في نوعية الخدمة التي تقدمها لجمهورها من الطلاب والطالبات، في تقديم المادة التعليمية الجيدة التي يكون لها أثر إيجابي في تكوين شخصية أبنائها العلمية والاجتماعية التي تنعكس بالتالي على المجتمع.
ولكن يجب ألا نغفل عن أن المؤسسات التعليمية بحاجة ماسة للكوادر التعليمية المتميزة. والتي بحاجة دائمة للتقييم والتدريب. ومما لا شك فيه أن هذا كله يشكل عبئاً مالياً على المؤسسات. وهذا ينعكس على ارتفاع الأقساط والرسوم الدراسية. هذا مع تحفظنا على أقساط بعض المدارس المبالغ فيها.
ولكن هناك تضييق على مؤسسات أو مدارس أخرى في زيادة الأقساط، وخصوصاً أن أقساطها لا تبلغ في بعض الأحيان ثلث أقساط بعض المدارس. ويجب أن نضع في الاعتبار ألا يرتبط ارتفاع الرسوم الدراسية في بعض المدارس، بزيادة المباني لأن المهم في هذه العملية هي الموارد البشرية وليس الأبنية.
يرى بعضهم المدارس الخاصة أنها مجرد مشروع (بيزنس)، يهتم القائمون عليه فقط بتحقيق الأرباح، فما رأيكم؟
إطلاق أحكام مطلقة على أي قطاع كان ليس شيئاً عادلاً. إذا قارنا بين المشروعات التجارية ومؤسسات التعليم، نجد أن أرباح المؤسسات التعليمية (المدارس الخاصة) متدنية مقارنة بأي قطاع آخر. لذا لا يشكل حافزاً للمستثمرين الذين يسعون للربح المادي السريع، فلا بد أن يكون هناك حافز أخلاقي تعليمي كي يستثمر أي شخص رأس ماله في قطاع التعليم.
سياسة السماح بزيادة الرسوم الدراسية تحتاج إلــــــى مزيد من التدقيق
إلى أي حد يمكن للمدرسة الخاصة التركيز على الرسالة التربوية والتعليمية، مع حفظ حقها في تحقيق هامش ربح معقول؟
إذا كنا أخذنا الأمر بشكل عام، فإن ذلك أمر ممكن، ولكن لابد أن نشير إلى أن سياسة السماح بزيادة الأقساط في المدارس تحتاج مزيداً من التدقيق، خصوصاً في ما يتعلق بنسب التضخم التي تسمح بها هيئة المعرفة في دبي، والتي حددتها بـ 3% وذلك للجميع، في حين أن هناك مدارس لم تزد أقساطها لخمس سنوات متتالية، بسبب منهجية الهيئة ولابد من السماح لها بأكثر لتلحق بالتضخم الذي حددته الهيئة على الأقل، مع تحفظنا على هذه النسبة أصلاً. فبمقارنة بسيطة بين الأعوام الخمسة الأخيرة يظهر أن التضخم المعيشي أكثر من ذلك، وإن لم تواكبه المؤسسات التعليمية ستخسر أفضل كوادرها.
هناك مدارس تربط كلفة الخدمة التعليمية (الرسوم الدراسية المقررة) بالجودة، وهناك من يربطها بمظاهر المدرسة ودرجة رفاهيتها، كيف يفرق ولي الأمر بين النوعين؟
مهما كانت رفاهية المباني المدرسية فإن تأثيرها في الكلفة محدود، فهي تبنى مرة واحدة. إن الأساس هو جودة ما تقدمه هذه المؤسسات وليس ما تبنيه لهم، لأن ما تقدمه مهم، وهي كلفة مستمرة وليس كحال الأبنية مرة واحدة.
يتردد بين الحين والآخر قول محدد يرى فيه أولياء الأمور أن الخدمة التعليمية في المدرسة الخاصة مجرد سلعة، وهي بالتالي تخضع لقانون العرض والطلب، فما صحة هذا القول؟
قانون العرض والطلب موجود في جميع مجالات الحياة، أحياناً يمكن الاستغناء عنه وأحياناً أخرى يمكن استبداله، إلا التعليم، فلا أعتقد أن هناك ولي أمر يجازف بتعليم أبنائه أو يوافق على تعليم متدني المستوى؛ لأن ما سيترتب عليه لاحقاً يؤثر فيه وفي مجتمعه من حوله. والجميل في الموضوع أن المنافسة الشديدة بين المؤسسات التعليمية فيها مصلحة لكل فرد في المجتمع.
هناك من يلحقون أبناءهم بالمدارس الخاصة للتباهي، وآخرون لمستوى الخدمة التعليمية، وفريق ثالث لتقليد الأقارب والأصدقاء، ما تأثير كل حالة في مستقبل الأبناء يا ترى؟
الوعي الأسري مهم جداً في اختيار مدرسة لكل طالب، ففي عملية البحث عن المدرسة الجيدة يجب على ولي الأمر أن يدرك المناسب لابنه، ويخدمه ويخدم مستقبله التعليمي دون النظر إلى اعتبارات أخرى، كما يجب أيضاً مراعاة الفروق الفردية عند الاختيار.
ما الذي يتعين على ولي الأمر اتخاذه قبل اختيار المدرسة الخاصة لأبنائه؟
أهم ما في الأمر أن يضع ولي الأمر في اعتباره ما يمكن أن تقدمه المدرسة لابنه أو ابنته على المستويات الثلاث الأكاديمية والشخصية والنفسية، لأن ذلك كله يشكل مستقبله في ما بعد. وكذلك اختيار المدرسة ذات الكادر الجيد الذي سيسلمه ابنه ويعهد له ببناء شخصيته.
سؤال أخير.. ما هي المواد القانونية أو التشريعية التي يفترض توافرها في النظم التي تحكم قطاع التعليم الخاص، لتمكين مدارس هذا القطاع من أداء رسالته التربوية؟
الحديث عن المواد القانونية والتشريعية التي يفترض أن تنظم عمل المؤسسات الخاصة حديث طويل وواسع الأفق، ولكن لا يمكن إغفال أمور مهمة، منها إعادة النظر في تركيبة المواد المطلوب أن يحصلها الطالب في المرحلة الثانوية كي تصدق له الوزارة على شهادة الثانوية العامة حتى تصبح معترفاً بها.
وذلك بحسب ما يتوافق مع متطلبات القبول في الجامعات العالمية. إذ إن ما يُطلب من طلبتنا الآن وخصوصاً في المواد العلمية يفوق بكثير متطلبات الانتساب إلى أي جامعة في أي اختصاص، وأنه معلوم لدى الجميع نسبة التسرب العالية في الصفوف العليا على مستوى الدولة. وعليه لابد من إعادة النظر في الموضوع، ما قد يفتح آفاقاً جديدة لكثير من طلبتنا المترددين في إكمال مسيرتهم العلمية.
أما من الناحية المالية التي تؤمن الاستمرارية لهذه المؤسسات وتتيح لها فرص تطوير وتجديد نفسها باستمرار، فأرى أنه لابد من إعادة النظر وإيجاد توازن أكبر بين ما يؤخذ ويقدم، فكيف أحاسب المؤسسات على تطوير نفسها وأطالبها بالمزيد إذا لم أتح لها فرصة تأمين موارد التطوير.



