ملامسة واقع شرائح المجتمع على اختلافها، ورصد همومها وقضاياها، مهمة أشبه ما تكون بمن يبحر في محيط لا يعرف نهايته. فاختلاف الثقافات والبيئات والممارسات الحياتية يعكس غالباً الكثير من الغموض، وعدم وضوح الرؤية، خاصة لو كان الأمر يتعلق بسبر أغوار النفس البشرية، وتحديد علتها، والبحث عن العلاج الشافي.
هذا تماماً ما يعانيه مَن كان قَدَرَه التعامل بشكل يومي ومباشر، مع كثير من الحالات السلوكية، التي تخص الأسرة ومحيطها، والحالات التي تقترن بمراحل عمرية غالباً ما توصف بالخصوصية والحساسية. مع عبدالله موسى محمد الشالي اختصاصي أول توجيه وإرشاد، ومستشار أسري وتربوي، نعيش أكثر هذه الحالات أهمية وسخونة، في الحوار التالي:
ما مدى تأثير المشاكل الداخلية للأسرة على الأبناء، وعلى حالات الانحراف التي يعاني منها بعض الشباب؟
المشاكل الزوجية والأسرية على اختلافها وتنوع أسبابها، بلا شك لها دور كبير في تشكيل أو تغيير سلوكيات الأبناء. فالزوجة المريضة أو المكتئبة أو المضغوطة بسبب العمل أو بسبب مشاكلها، من الطبيعي أن تقصر في رعاية أبنائها وتربيتهم، وبالتالي تترك جزءاً كبيراً من مهمتها الأساسية للخدم.
وتزداد احتمالات وقوع الأبناء في السلوكيات السلبية، والزوج أيضاً. فبسبب كثرة خروجه من البيت، للهروب من جو المشاحنات مثلاً، أو انشغاله بأعباء الحياة، سيهمل أسرته ولن يهتم بتربية أبنائه، وسنصل إلى النتيجة نفسها.
وماذا عن حالات التفكك الأسري داخل البيت؟
أقول لك، وبلا مبالغة إننا لو بحثنا عن أسباب معظم حالات انحراف الشباب، فسيطل شبح الخلافات الزوجية والتفكك الأسري برأسه، فهو الشريان الرئيس الذي يغذي انحرافات الشباب، وضياع الفتيات.
ففي متابعتي لإحدى الحالات، شكت لي أم بأن ابنتها منطوية على نفسها منذ فترة ولا تغادر غرفتها، فلما سألت البنت عن سبب انعزالها، قالت: المشاكل والخلافات لا تنتهي في بيتنا، وأبي وأمي طوال اليوم في عراك مستمر، فكرهت هذه الحياة، وقررت البعد عنهما، والانزواء في غرفتي حتى لا يلعب الشيطان برأسي وأفكر بالهروب من البيت.
بحكم طبيعة عملك، ما أخطر وأكثر المشكلات الأسرية أو الزوجية التي تصادفكم، تأثيراً في المجتمع؟
أكثر المشكلات التي أواجهها هي: الخلافات الزوجية والتفكك الأسري، كما أوضحت، وعدم الإنفاق على البيت، والإهمال العاطفي أو الاجتماعي، وحالات الطلاق والخيانة الزوجية.
بعض أولياء الأمور، لا يهتمون بالجانب التربوي والأخلاقي والديني والسلوكي عند تربية الأبناء، فما مدى انعكاس ذلك على مستقبلهم؟
هذا الأمر يعود إلى طبيعة الزوجين، فإن كانا ملتزمين، فسيحرصان على التربية الفضلى لأبنائهما، ولذلك رغّب النبي صلى الله عليه وسلم، في الزواج من ذات الدين وذات الخلق، كأحد الضمانات لاستقامة حياة وتربية الأبناء.
كما لا يخفى على أحد، أن الإفرازات السلبية لعصر العولمة، تُعد أحد أسباب إهمال كثير من الأزواج والزوجات لأبنائهما، ناهيك عن وجود الإنترنت في الجيب من دون رقابة الأهل، وجميعنا يعرف خطورة كل هذا، بوجهيها الطيب والقبيح، إلا أن الوجه القبيح يأتي مزيناً من الشيطان، وبكامل أناقته، وبمساعدة تجار المواقع الإباحية ليفتك بشبابنا ويدمر عقولهم ومستقبلهم.
هذا العصر يفرض علينا إعادة النظر في تعاملنا مع الأبناء
من واقع تجربتك وخبرتك كاختصاصي توجيه وإرشاد، ما علاقة العنف الأسري بالسلوك العدواني لدى الأبناء؟
العنف الأسري داخل البيت، يأخذ أشكالاً عدة، مثل العصبية الزائدة للأب أو الأم فيعنفان الأبناء لأتفه الأسباب، ويشيعان في البيت أجواء التوتر. وقد يصبح وجود أحدهما غير مرغوب فيه، بسبب عصبيته الزائدة. هناك أيضاً استخدام العنف والضرب، سواء بين الزوجين، أو من أحد منهما تجاه الأبناء.
وأذكر أن أحد الآباء، جذب وهو في حالة عصبية، يد ابنه البالغ من العمر خمس سنوات، بقوة حتى خلع كتفه! والأمثلة الأخرى كثيرة. هنا يكون من الطبيعي أن ينتقل هذا العنف من الكبار إلى الصغار، ويرسخ لديهم، فيصبح السلوك العدواني هو أسلوب حياتهم، وطريقتهم في التعامل مع الآخرين، وحتى مع أبنائهم مستقبلاً. فالعنف يولد العنف بل ربما يجعل الابن معقداً نفسياً أو منحرفاً.
بعد عصر العولمة والانفتاح على العالم، هل مطلوب إعادة النظر في سياسة تعاملنا مع الأبناء؟
نعم لابد من إعادة النظر في سياسة تعاملنا مع الأبناء، وخاصة الشباب منهم، وأن نستخدم الأسلوب الذي يتناسب مع عصرهم، دون الانسلاخ من هويتنا الإسلامية. فهذه العولمة ووسائل الاتصالات والتواصل المتقدمة، جعلت العالم كله في هاتف صغير، ونقلت العادات والممارسات الدخيلة علينا، والمرفوضة دينياً. ومع هذا فلا ننكر أن هذه الوسائل لها جوانب إيجابية كثيرة إن استخدمناها بشكل سليم.
بين التشدد والدلال الزائد، كيف يمكن تحقيق التوازن في تربيتنا لأبنائنا؟
آلت نتائج التشدد في التربية، أو المبالغة في الدلال، إلى فشلهما كليهما في تحقيق الشخصية السوية والمتوازنة والواثقة من نفسها بالنسبة للأبناء، سواء الذكور منهم أو الإناث. إذ أجمع خبراء التربية على ضرورة الاعتدال والوسطية في تربيتنا لأبنائنا.
وهو ما يعني القدرة على الجمع بين الشدة واللين والحب والاحترام والثواب والعقاب، وكلها من صفات المربي الحكيم الذي يعرف متى يستخدم هذا الأسلوب من غيره، وكيف يقرأ الحالة ويختار الوقت المناسب.
العنف والتدخين وتعاطي المخدرات وتناول الهرمونات.. من المسؤول عنها، وكيف نستطيع التغلب عليها؟
لابد أن نعرف أن شبابنا مستهدف من قبل أعداء نهضتنا وتقدمنا، بل إن هناك من يتعمد تصدير مثل هذه المصائب إلى شبابنا، ويعمل على نشرها في المدارس، وبين الفتيان والفتيات بشتى الطرق. وتبيع بعض العيادات الطبية الخاصة، وتحت مظلة العلاج من الاكتئاب، الحبوب المخدرة بهدف تدمير الشباب وتغييب عقولهم والقضاء على سلامتهم وصحة أبدانهم.
وهنا أؤكد أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الآباء والأمهات، ثم يأتي بعد ذلك دور الجهات الرسمية والأمنية، ودولتنا والحمد لله لم تقصر في ذلك، وتعكف على مواجهة كل هذه الجرائم وتضرب بيد من حديد على من يرتكبها.
الابن خارج السيطرة
دلّل المستشار عبدالله موسى على خطورة إهمال الزوجين لأبنائهما، قائلاً: جاءتني حالة عن هذا الأمر، لشاب يقضي يوميا 10 ساعات متواصلة أمام الإنترنت.. لا صلاة أو عبادة، وللأسف فقد خرج عن سيطرة الأب والأم، بسبب إدمانه على المواقع الإباحية وغرف المحادثة والمنتديات المغرضة، وأهمل دراسته وأصبح مستقبله مهدداً، إذ لم تعد أية وسيلة تجدي معه.
ويتابع موسى: مثل هذا الشاب سيكون مصيره الفشل. وحتى لو تزوج فإن زوجته ستعاني منه كما عانى والداه، وبالتالي سينعكس هذا السلوك السلبي على المجتمع، فيهدد أمنه واستقراره ومستقبله. وكل هذا بسبب إهمال الوالدين في تربية الأبناء.


