في الطريق إلى مجتمعات المعرفة، يبرز الكثير من التحديات والإشكاليات، التي لابد أن يتوقف أمامها أهل (المعرفة) ملياً، خاصة عندما نحاول بكثير من الجهد، ربط هذه المعرفة بمفهومها العلمي الصحيح، بعمليات التعليم والتعلم. بيد أن التحدي الأكبر الذي يواجه مجتمعاتنا الخليجية، تحديداً في هذا الصدد، أن ما نملكه حالياً من أدوات وتقنيات المعرفة، يظل محصوراً في مرحلة الاستهلاك، دون الدخول إلى مرحلة الإنتاج.حقائق كثيرة نكشفها عن عالم المعرفة من خلال الدكتور خالد بن إبراهيم العواد، عضو مجلس الشورى رئيس دار مسارات للدراسات والتطوير بالمملكة العربية السعودية الشقيقة. وفي ما يلي الحوار:
أين نحن من الثورة المعرفية والتقنيات التربوية، وما الذي ينقص نظمنا التعليمية حتى تواكب النظم العالمية المتطورة؟
نحن الآن، في عين العاصفة المعرفية، خاصة في دول الخليج العربي، لما تحقق لها من تنمية تقنية ومعلوماتية واتصالاتية هائلة، وأيضاً بسبب التوسع الهائل في برامج التعليم بكافة مستوياته. ومع أننا نملك البيئة المعرفية تقنياً، إلا أن المشكلة الكبرى أننا متأخرون كثيراً في استعمال المعرفة .
وفي توظيفها وتطبيقها في حياتنا اليومية، بل ومتخلفون كثيراً في إنتاج المعرفة. إن المهمة الأساسية لمجتمع المعرفة ليست فقط في استهلاكها أو توظيفها، بل في إنتاجها. وهذا هو التحدي الأكبر أمام دولنا، وخاصة ما يتعلق بمؤسسات التعليم بكل مستوياتها.
إذاً، كيف نهيئ طلبة دولنا الخليجية، إلى الانتقال من مرحلة (اكتساب المعرفة)، إلى (معالجة المعرفة)؟
سؤالك مهم، إذ يجب علينا أن نعرف كيف نُمكّن الطلبة من اكتساب المعرفة ومعالجتها. وجوابي بأن نجعلهم مشاركين في صناعة المعرفة وإنتاجها. وهذا يتم بمراجعة كبيرة لأساليب تدريس الطلبة، وإخراجهم من أسوار المدرسة ليكونوا متعلمين من خارجها بشكل أكبر. ومعلوم أن تقنية الحاسب والاتصال وبالذات وسائط التواصل الاجتماعي، أتاحت لحقل التعليم فرصة ثمينة لازدهار التعلم، وهو ما قد يُسمى بـ «التعلم غير الرسمي» Informal Learning، والذي يتيح للطلبة فرصة تعلم، ليس فقط في أوقات الدوام الرسمي للمدرسة، بل خلال 24 ساعة في سبعة أيام، وبغزارة هائلة، وتنوع واسع، وحداثة في المعلومة والفكرة، وبالطريقة التي تناسب المتعلم وراغب المعرفة.
باعتبارك رجلاً أكاديمياً وسياسياً، وتربوياً من الدرجة الأولى، ما أخطر التحديات التي يواجهها التعليم في دولنا الخليجية؟
باختصار، أهم التحديات التي تواجه التعليم في دولنا هي: الخلل في التنظيم والبناء المؤسسي لمؤسسات التعليم ولبرامجها، وتفشي البيروقراطية، وغياب الاحترافية المهنية مؤسسياً وتدريبياً. وأخطر ما في الموضوع هو تفريغ المدرسة من دورها الأساسي كمؤسسة تعليمية متكاملة وممكنَة من مهمتها الأساسية (بناء الشخصية وتعليم المعرفة).
خطوات لردم الفجوة بين التعليمين العام والجامعي
د. خالد العواد؛ ما رؤيتكم من أجل ردم الفجوة بين واقع التعليم العام في مدارسنا العربية، ومتطلبات مرحلة التعليم الجامعي؟
حقيقة كما قلت، هناك فجوة بين التعليم العام والتعليم الجامعي، واقتراحي لردم هذه الفجوة، يتلخص في أربع خطوات، أولاً أن يتم الربط المنهجي المعرفي لما يتعلمه الطالب في المدرسة، مع ما سيتعلمه في الجامعة، في نموذج واحد مرن. ثانياً تطوير مهارات الطالب التعليمية والفكرية والاجتماعية، ليكون أكثر قدرة على التكيف مع الأوضاع المختلفة.
ثالثاً تعريض الطالب في المرحلة الثانوية إلى بيئات التعليم الجامعي من خلال تنظيم الزيارات للجامعات وممارسة بعض أنماط التعليم الجامعي في المرحلة الثانوية. رابعاً تطوير السنة التحضيرية (السنة الأولى في الجامعة) لتساعد الطالب على التكيف الجامعي. إلا أنني أؤكد أن هذه المشكلة لا تخص دولنا فقط، بل هي في كثير من دول العالم المتقدم كذلك.
في مواجهة نظم التعليم المتغيرة، كيف نستطيع إحداث نقلة نوعية في دولنا، حتى ننافس وبقوة، المجتمعات المتقدمة علمياً وأكاديمياً؟
التطوير النوعي للنظم التعليمية في دولنا، هو المخرج لأن نكون دولاً منافسة عالمياً. لكن يجب أن نؤكد أن هذا التطوير، لا يمكن أن يكون جزيرة في بيئة تنظيمية قاصرة ومقصرة. فالراصد للتجارب الدولية الناجحة في تطوير تعليمها، يُلاحظ أنها تمت من خلال تطوير تنظيمي شامل لكافة قطاعات المجتمع وثقافته. كذلك لابد من الجرأة والتخطيط السليم، والانتقال إلى أنماط مرنة من التعليم والتعلم، مع مراجعة الدور الحديث للمدرسة، لتكون بيئة معينة على التعلم والتكيف، أكثر من أن تكون بيئة تلقين معارف.
أصبح الإعلام حالياً، شريكاً أساسياً في التربية والتوجيه، وتحديد اتجاهات الرأي العام، فما دور المؤسسة التربوية حيال ذلك؟
التعليم والإعلام هما المكون الأساس لشخصية الفرد إيجاباً وسلباً، ومع تطور تقنية الحاسب والاتصال، وتزايد قدرة التقنية في غزارة المعرفة وتنوعها وسعتها، وما جادت به علينا تقنية التواصل الاجتماعي، مثل (تويتر، وفيسبوك، ويوتيوب) كل ذلك، جعل التعليم أكثر تشويقاً ومتعة وإثراءً.
لذا، يجب علينا أن نوجه الطالب ليكون قادراً على أن يجعل الإعلام الفضائي والإعلام الحديث، مصادر للمعرفة وتنمية المهارات، بحيث تفيده في حياته. والدراسات الحديثة تفيد بأن الإنسان يتعلم من خارج أسوار مباني مؤسسات التعليم، أكثر مما يتعلمه من داخلها. لذلك دعوت ويدعو غيري بأن نفعل التعلم غير الرسمي، والذي يعني تزويد الطلبة بمهارات التعليم من كافة المصادر، وإيجاد اتجاهات إيجابية نحو المعرفة والتعلم الذاتي لديهم.
ماذا عن دار مسارات، وطبيعة عملها؟
دار مسارات للدراسات والتطوير هي مركز علمي بحثي تطويري يهتم بالتطوير النوعي في المجال التربوي والاجتماعي والتقني. مقرها مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، وخدمتها تمتد لكل الدول العربية، وبالذات دول الخليج العربي، وتعتمد على منظومة من الخبراء المميزين.
في مجال العمل التطويري المستهدف، ومنظومة الخبراء هذه، مكونة من دول الخليج والدول العربية إلى جانب خبراء من دول متقدمة، مثل: أميركا وكندا وبريطانيا وفنلندا وإسبانيا. يضاف إلى ذلك أن دار مسارات تمتلك علاقات عمل تشاركي دولي مع بيوت خبرة دولية متنوعة في كثير من دول العالم.
ما أهم الخدمات التي تقدمها الدار في المجالات الاجتماعية التربوية والإدارية؟
تقدم دار مسارات مجموعة من الخدمات نذكر منها التطوير المؤسسي وتطوير البرامج. وبناء معايير الجودة وأنظمتها والتدريب عليها. والتقويم المؤسسي والبرامجي والتدريب عليها. وتطوير برامج التعلم الإلكتروني وتطبيقاتها. وبناء أنظمة المعلومات ودعم القرار. وتطوير المناهج والبرامج التعليمية. وبرامج تدريب في كافة المجالات التربوية والاجتماعية وتقنية التعلم ونظمها.



