مواقف

قيل: أراد ابن عامر أن يأمر لرجل بخمسين ألف درهم، فجرى القلم بخمسمئة ألف، فلما اكتشف القائم على الخزانة ذلك كلّم ابن عامر بذلك، فقال له: نفّذ الأمر فلم يبق سوى تنفيذه، فإنّ خروج المال أحبّ إلي من الاعتذار، لكن الرجل أراد أن يراجعه ثانية، فقال له: إذا أراد الله بعبد خيراً صرفَ القلم عن مجرى إرادة كاتبه إلى إرادته، وأنا أردت شيئاً وأراد الجواد الكريم أن يعطي عبده عشرة أضعافه، فكانت إرادة الله الغالبة، وأمره النافذ.

 

طُرفة

يروى أنّ طَفيلياً (من الصعاليك المتطفلين) صحب رجلاً في سفر، فقال له الرجل: اذهب فاشترِ لنا لحماً نطهيه، فقال: لا والله لا أقدر. فمضى هو واشترى، ثم قال له: قم فاطبخ، فقال: لا أحسن الطبخ. فقام هو وطبخ، ثم قال: قم فاثرد، فقال: أنا والله كسلان، فثرد الرجل ثم قال: قم فاغرف لنا، فقال: أخشى أن ينقلب القدر على ثيابي، فغرف هو، ثم قال: قم الآن فكل، فقال الطفيلي: والله أني أستحي من كثرة اعتذاري منك، وقام ليأكل.

 

مغزى مثل

(صَدرُكَ أوسعُ لِسرّكَ)يراد بهذا المثل أنّ عليك أن تحرص على الحفاظ على سرّك فلا تُشعه أو تطلع عليه أحداً، فصدرُكَ أولى به، فإن ضاق صدركَ فصدر غيركَ أضيقُ منه. وقد قال الشاعر:

إذا ضاقَ صدرُ المرءِ عن سِرّ نفسه فصدرُ الذي يُستودعُ السِرَّ أضيقُ

 

من مختار النثر

قيل: من يُسْمِعــكَ الكلامَ المعسولَ يُطْعـِمكَ بِملعقَةٍ فارغة.

من طبائع الإنسان ميلُهُ إلى سماع الإطراء يوجهُ إليه من الآخرين. فليس من إنسان يحبُ أن يسمع مَن يريه خصله السيئة أو أخطاءه وعيوبه. وقد كانت هذه الحقيقة منطلقاً لكثير من الناس لتجنيد أنفسهم لمهمة المديح الزائف والإطراء المبالغ فيه، للأصدقاء والحكام والمسؤولين وذوي النفوذ، حتى صار من ديدن بعض الناس وشيمهم هذه الصناعة التي يحذقونها. وهي صناعة زائفة ممجوجة، ينبغي لصاحب النفس الكبيرة والمروءة أن يتعالى عليها وأن يمنعها، لتفسد بضاعة الحاشية التي تزين الغرور للحاكم والانتفاخ الكاذب للصديق.

 فالكلام المعسول الدائم كذب صريح لا يفيد المرء ولا يقدم له غذاء حقيقياً نافعاً؛ لأنه أشبه بمن يطعم إنساناً طعاماً يعده به طويلاً ثم يكتشف في خاتمة المطاف أن الملعقة كانت فارغة، وهذا مصدر جمال هذه المقولة.