لا سبيل إلى معرفة ما للعربية من دقة إلا إذا تأملنا بعض ما خلّفت لنا من صيغ واستعمالات ومواضعات لا حد لها. وليس بوسعنا في وقفات كهذه إلا أن نقف على نُتف مما في هذه اللغة التي أراد الله أن يحفظها، فقاومت جميع التحديات، بما امتلكت من قواعد منطقية وأساليب ساحرة وفنون باهرة، ومرونة كبيرة أثارت الإعجاب.

وإذا كانت الأمثلة على سعة العربية وخصبها وعبقريتها مما لا يمكن حصره، فلعلنا نستطيع في هذا الحيز الصغير، الوقوف على بعض هذه الأمثلة والشذرات.

 

أدب الظرف

دخل حافظ إبراهيم مكتبه، ومعه نفر من أصدقائه، فوجدوا في غرفة الانتظار رجلاً معروفاً بنقل الكلام بين الناس، وكان الرجل نائماً، فقال حافظ لرفاقه: الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها!!

يروى عن الشاعر أبو دلامة أنه قال للخليفة: إني رأيتك في المنام وأنت تعطيني خيارة مملوءة بدراهم وعليك تأويل العبارة. فقال له الخليفة: امض وأحضر لي خيارة أملؤها لك دراهم، فمضى أبو دلامة وجاءه بقرعة كبيرة، وأقسم للخليفة بالطلاق، أن السوق لم يكن فيها سوى القرع, فضحك الخليفة وملأ القرعة دراهم.

وروي عن الخليفة المهدي، أنه لما وصل بغداد، قابله أبو دلامة الشاعر بقوله:

 

إني نذرت لئن رأيتك قادماً أرض العراق وأنت ذو أمر

 

لتصلينّ على النبي محمد ولتملأنّ دراهماً حجــري

 

فقال المهدي: صلى الله وسلم على محمد وآله.

فقال أبو دلامة : ما أسرعك في الأولى، وأبطأك في الثانية.

فضحك الخليفة، وأمر له ببدرة وضعت في حجره.

 

حكمة

تُهدَى الأمورُ بأهلِ الرأي ما صَلُحتْ فإنْ تولّت فبالأشرارِ تنقادُ

 

مواقف

قيل للنوفلي: ما مبلغ شهوتك للعلم؟ قال: إذا نشطت فلذتي وإذا اغتممت فسلوتي.

 

وقيل لرجل من الأعراب: ما أشبهت أباك. فقال لو أشبه كل رجل أباه كنا جميعاً كآدم.

 

وسأل عثمان بن عفان رضي الله عنه عامر بن عبد قيس العنبري، إذ رآه ظاهر الأعرابية:

يا أعرابيُّ أين ربك؟ فقال: بالمرصاد.

 

فوائد لغوية

يخطئ بعضنا في التعبير عن عملية كي الملابس، فيقول: كوي الملابس، والصواب أن يقال: كي الملابس (بدون واو).

ويخطئ بعضنا في التعبير عما يدور في ذهن أحدنا من أفكار، فيقول: دار في خُلدِه (بضم الخاء)، والصواب أن يقال: دار في خَلَدِه (بفتح الخاء واللام).

ويخطئ بعضنا حين يعبر عن موطن القلب وجلدته الشفيفة الملتصقة في أعماقه، فيقول تعبيراً عن المحبة: سكنَ في شِغاف القلب (بكسر شين الشغاف). وهو تعبير غير صحيح، إذ الصحيح، فتح شين الكلمة، فنقول: سكن في شَغاف القلب.