لا سبيل إلى معرفة ما للعربية من دقة إلا إذا تأملنا بعض ما خلّفت لنا من صيغ واستعمالات ومواضعات لا حد لها. وليس بوسعنا في وقفات كهذه إلا أن نقف على نُتف مما في هذه اللغة التي أراد الله أن يحفظها، فقاومت جميع التحديات، بما امتلكت من قواعد منطقية وأساليب ساحرة وفنون باهرة، ومرونة كبيرة أثارت الإعجاب.
وإذا كانت الأمثلة على سعة العربية وخصبها وجمالها مما لا يمكن حصره، فلعلنا نستطيع في هذا الحيز الصغير، الوقوف على بعض هذه الأمثلة والشذرات.
يقال في العربية للماء اليابس : الجليد
ويقال للّحم اليابس : القديد
ويقال للطين اليابس : الصَّلصال
ويقال للّبن اليابس : الجبن
ويقال للحجر اليابس : الصَّلد
مواقف:
قيل: كان أبو حنيفة إذا أخذته هزة المسائل يقول: أين الملوك من لذة ما نحن فيه، لو فطنوا لقاتلونا عليه.
وقال بعض العلماء: شرار الأمراء أبعدهم عن العلماء وشرار العلماء أقربهم إلى الأمراء.
وقيل: من لم يكن له علم ولا أدب لم يكن له حسب ولا نسب.
قال شيخ للمأمون: أقبيح بي أن أستفهم، فقال: بل قبيح بك أن تستبهم.
حكمة:
قال الشاعر:
ولقد علمتُ: لتأتينَّ منيّتي
إنّ المنايا لا تطيشُ سهامُها
فروق لغوية:
في الاستعمال اللغوي ثمة فروقات دقيقة لا يدركها العامة ويعرفها المهتمون باللغة والمختصون فيها، وسنحاول في كل عدد الوقوف على صور منها. فنحن عادة ما نطلق على ما نراه من اختلال عقلي لدى شخص ما اسماً واحداً هو (الجنون). لكن في لغتنا ألفاظ عدة لتمييز كل مستوى من مستويات ذلك الاضطراب، على النحو الآتي:
الفرق بين حاسر وسافر: ثمة فرق بين الكلمتين، فنحن:
نقول لمن ليس فوق رأسه غطاء (حاسر)
ونقول لمن خلا وجهه من الغطاء (سافر)
فوائد لغوية:
نقول مَعدِن، على وزن (مفعِل) بكسر العين، ولا نقول معدَن (على مفعَل) بفتح العين.
ونقول مصرِف، على وزن (مفعِل) بكسر الراء أيضاً، ولا نقول (مصرَف) بفتحها على (مفعَل).
ونقول (اضطُرّ) بضم الطاء، للفعل الذي لا خيار للمرء فيه، لا (اضطَرّ) بفتح الطاء.
ونقول (الحِمية) بكسر الحاء لمن يلتزم بنظام تغذية للترشيق، ولا نقول (ريجيم).
ونقول (المُرسِل) لمن يبعث برسالة إلى آخر، ولا نقول (الراسِل).
