لا سبيل إلى معرفة ما للعربية من دقة إلا إذا تأملنا بعض ما خلّفت لنا من صيغ واستعمالات ومواضعات لا حد لها. وليس بوسعنا في وقفات كهذه إلا أن نقف على نُتف مما في هذه اللغة التي أراد الله أن يحفظها، فقاومت جميع التحديات، بما امتلكت من قواعد منطقية وأساليب ساحرة وفنون باهرة، ومرونة كبيرة أثارت الإعجاب.

 

وإذا كانت الأمثلة على سعة العربية وخصبها وجمالها مما لا يمكن حصره، فلعلنا نستطيع في هذا الحيز الصغير، الوقوف على بعض هذه الأمثلة والشذرات.

 

أبعاد تربوية:

قال الشاعر:

 

إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً

فمطلبها كهلاً عليه عسير

 

يلتفت الشاعر في هذا البيت الشعري إلى معنى تربوي جميل، إذ يتحدث عن قيمة المروءة وأهمية حضورها في الذات الإنسانية. فبدون المروءة لا يكون الإنسان إنساناً ولا الحياة حياة. إنها مظهر وجداني بشري وتجل من تجليات الفطرة الإنسانية. من هنا فإن للبيئة الأسرية والاجتماعية والتعليمية أثراً مهماً في غرس قيمة المروءة لدى أفراد المجتمع، لتنمو ويشتد عودها في قابل الأيام. ذلك أن إغفال المرء لها في أطواره الأولى أو فشله في التحلي بها سيجعل مهمته المقبلة عسيرة، إذ سيشق عليه الأمر؛ ففاقد الشيء لا يعطيه كما نعلم، ومن شب على الشيء شاب عليه. وقد قال شاعر ما يؤكد المعنى نفسه يوماً:

 

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت

ولا يلين إذا قومته الخشب

 

ومن جمال البيت أن الشاعر لم يشأ التعبير عن الفشل تعبيراً تقريرياً عادياً، وإنما لجأ إلى لفظ غير مباشر جميل، أكسب اللفظ رونقاً وتحبيباً، بقوله، أعيته. فكأنه آثر ألا يدين المرء نفسه وأشرك البيئة والظروف المحيطة فيما لا قبل له بحمله وتحقيقه.

إن البيت يعيد الاعتبار لأهمية التربية في الصغر وخطرها، وهو ما تؤكد عليه نظريات علم النفس جميعها.

 

 

مواقف:

قيل لرجل: ما جماع العقل؟ فقال: ما رأيته مجتمعاً في أحد فأصفه، وما لا يوجد كاملاً لا يحد.

وسأل رجلاً آخر رأى معه خفّاً: ما هذه القُلُنْسوة؟ فاحتكموا إلى عرباض، فقال عرباض: هي قلنسوة الرِجْلين.

 

حكمة:

قال صفي الدين الحُلّي:

 

إنَّا لقومٌ أبتْ أخلاقُنا شرفاً

أنْ نَبتدي بالأذى مَن ليس يؤذينا

 

 

فوائد لغوية:

يخطئ بعضنا في التعبير عن الحال مع اللام الجارة، في حين أن الصواب تجريدها من حرف الجر، فنقول:

 

أسافر خارج البلد أولَ مرة، ولا نقول: أسافر خارج البلد لأولِ مرة.

نقول دهمَ الجيش تحصينات العدو، لا داهمَ الجيش تحصينات العدو.

ونقول اعتذر الشاعر عن عدم الحضور، لا اعتذر الشاعر عن الحضور.