لا سبيل إلى معرفة ما للعربية من دقة إلا إذا تأملنا بعض ما خلّفت لنا من صيغ واستعمالات ومواضعات لا حد لها. وليس بوسعنا في وقفات كهذه .
إلا أن نقف على نُتف مما في هذه اللغة التي أراد الله أن يحفظها، فقاومت جميع التحديات، بما امتلكت من قواعد منطقية وأساليب ساحرة وفنون باهرة، ومرونة كبيرة أثارت الإعجاب.
وإذا كانت الأمثلة على سعة العربية وخصبها وجمالها مما لا يمكن حصره، فلعلنا نستطيع في هذا الحيز الصغير، الوقوف على بعض هذه الأمثلة والشذرات.
يقول ابن رشيق:
في الناسِ مَن لا يُرتجى نفعُهُ
إلا إذا مُسَّ بإضرارِ
كالعودِ لا يُطمعُ في ريحهِ
إلا إذا أُحرِقَ بالنارِ
يفطن الأديب والشاعر ابن رشيق القيرواني إلى معنى جميل قلما نفطن إليه، وهو يتأمل السلوك البشري للناس، حتى ليبدو وكأنه خبير اجتماعي أو تربوي. فمن المعروف أن الناس يختلفون في ما يقدمونه من فعل الخير مثلما يختلفون في مقدار نفعهم لمجتمعهم. وقد يغضب أناس كثر من أولئك الذين ينأون بأنفسهم بعيداً عن مشاركة الناس في خيرهم أو دفع الضرِّ عن بعضهم. لكن شاعراً نابهاً كابن رشيق يعد موقف هؤلاء أمراً مفهوماً، بل يراه أشبه بالقانون الطبيعي، إذ يضرب لنا مثلاً ذكياً، يستمده من قانون الطبيعة، حين يشبه هذا النفر من الناس بالعود الذي لا يمنحك ضوع رائحته الذكية ما لم يتعرض للحرق.
وهو تفسير ينطوي على دعوة إلى تعميق فهمنا للنفس البشرية ودخيلة الإنسان. فإذا كان بعضنا يسارع إلى تقديم العون والخير من دونما دعوة من أحد، فإن بعضنا الآخر يقدمها أيضاً، ولكن بعد أن تمسه النار ويتعرض للأذى، ليندفع إلى تقديم ما ينفع الناس، وعلينا أن نتفهم ذلك ونقدره أيضاً ما دمنا سنكسب في النهاية فعل الخير الذي تتضوع رائحته الجميلة في حياتنا. ولا أظن أن ثمة براعة وجمالاً في حسن تعليل الموقف الإنساني مما عمد إليه الشاعر في هذا التشبيه، وتلك الصورة الطريفة.
مواقف:
قيل لأعرابي: ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ قال: لأنا نقول وأكبادنا تحترق.
روي عن سقراط أنه قال لرجل عيّره بحسبه: حسبي مني ابتدا، وحسبك إليك انتهى.
فروق لغوية:
في الاستعمال اللغوي ثمة فروقات دقيقة لا يدركها العامة ويعرفها المهتمون باللغة والمختصون فيها، وسنحاول في كل عدد الوقوف على صور منها.
الأسى والوجوم: الفرق بين الأسَى والوجُوم، أن (الأسى) حزن على شيء يضيع أو يفوت على الإنسان، أما (الوجوم) فهو حزن ينتهي إلى إسكات صاحبه عن الكلام.
الوشم والوسم: الفرق بين الوَشْم والوَسْم، أن (الوشم) هو نقشٌ في اليد، أما (الوسم) فهو نقش في الجلد.
النوم والكرى: الفرق بين النّوم والكَرى، أن (النوم) هو النُّعاس، أما (الكَرى) فهو أن يكون الإنسان بين النائم واليقظان.
فوائد لغوية:
نسمي ما يكسو نهايات أصابع الإنسان بـ: الظُفر
ونسميه لدى الطائر بـ: المِخْلب
ونسميه لدى الثور بـ: الظِلف
ونسميه لدى البعير بـ: المَنسِم
ونسميه لدى الفرس بـ: السُنبك
ونسميه لدى الأسد بـ: البُرثُن
يخطئ بعضنا في استعمال جملة المضاف والمضاف إليه، فيقول:
اطلعت على الإنجاز غير المسبوق. والصواب أن ندخل ألف لام التعريف على المضاف إليه لا على المضاف، في مثل هذه الجمل، فنقول:
اطلعتُ على الإنجاز غير المسبوق.
