لا سبيل إلى معرفة ما للعربية من دقة إلا إذا تأملنا بعض ما خلّفت لنا من صيغ واستعمالات لا حد لها.

وليس بوسعنا في وقفات كهذه إلا أن نقف على نُتف مما في هذه اللغة التي أراد الله أن يحفظها، فقاومت جميع التحديات، بما امتلكت من قواعد منطقية وأساليب ساحرة وفنون باهرة، ومرونة كبيرة أثارت الإعجاب.

إذا كانت الأمثلة على سعة العربية وخصبها وعبقريتها مما لا يمكن حصره، فلعلنا نستطيع في هذا الحيز الصغير، الوقوف على بعض هذه الأمثلة والشذرات.

نقول لحركة قعود الإنسان : جلس

ولحركة البعير : برك

ولحركة الأسد أو الكلب : أقعى

ولحركة وقوف الطائر على فريسته : جثم

 

مواقف

في تراثنا العربي من المواقف التي تروى عن رجال ونساء وفتيان وشيوخ ما يستوقف العقل ويحار المرء فيه، بقدر ما يأسف لما انتهى إليه حال اللغة وعلاقتنا بها اليوم.

ففي جميع تلك المواقف دلالات واضحة على حدة ذكائهم وامتلاكهم لبلاغة القول المصحوب بسرعة البديهة.

من ذلك مثلاً، الآتي:

روي عن بشار بن برد الشاعر العباسي أنه مدح المهدي بشعره فلم يعطه شيئاً، فقيل له: لم تجُد في مدحه. فقال: لا والله، لقد مدحته بشعر لو قلت مثله في الدهر لما خيف صرفه على حر، ولكني أكذِبُ في العمل، فأُكذَبُ في الأمل.

قيل لزاهد أعزب: ألا تزوجت، فربما يكون لك خلَف، فقال: كفى بالتزهيد فيه قوله تعالى:« إنما أموالكم وأولادكم فتنة».

 

حكمة:

وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ

ولكنَّ عينَ السخط تُبدي المساويا

 

فروق لغوية:

في الاستعمال اللغوي ثمة فروقات دقيقة لا يدركها العامة ، ويعرفها المهتمون باللغة والمختصون فيها، وسنحاول في كل عدد الوقوف على صور منها.

فنحن عادة ما نطلق على ما نراه من اختلال عقلي لدى شخص ما اسماً واحداً هو (الجنون). لكن في لغتنا ألفاظا عدة لتمييز كل مستوى من مستويات ذلك الاضطراب، على النحو الآتي:

تطلق العربية على الرجل الذي يعتريه أدنى درجة من درجات الجنون لفظ (موسوس)، فإذا زاد حدّه عنده قيل: (به رِئيٌ من الجن)، فإذا كان به مسّ من الجن قيل له: (مَمسوس)، فإذا استمرّ ذلك به قيل له: (معتوه)، فإذا تفاقم وتكامل ما به من ذلك فهو(مجنون).

 

فوائد لغوية:

نسمي ما يسقط من الخشب عند النشر: النُشارة

ونسمي ما يسقط من الحديد : البُرادة

نقول لما يسقط من العود عند البري : البُراية

ونقول لما يسقط من المائدة : الحُثالة

ونقول لما يسقط من الخبز : الفُتاتة

ونقول لما يسقط من الظُفر عند التقليم: القُلامة

ونقول لما يسقط من الفم عند التخلل : الخُلالة

ونقول لما يسقط من الشعر عند الامتشاط: المُشاطة 

يخطئ بعضنا حين يتحدث عن خصوصية أمتنا فيقول: هَويتنا، وهَوية، (بفتح الهاء).

والصواب أن نقول: هُويّة (بضم الهاء)، نسبة لاسم الإشارة «هو».

يخطئ بعضنا في اسمي الشهرين القمريين حين يقولون: جُمادي الأول وجُمادي الآخر(بالياء في جمادي، والتذكير في الآخر)، والصواب أن نقول: جُمادى الأولى وجُمادى الآخرة (بالألف المقصورة في جمادى، والتأنيث في الآخرة).