لا سبيل إلى معرفة ما للعربية من دقة إلا إذا تأملنا بعض ما خلّفت لنا من صيغ واستعمالات ومواضعات لا حد لها. وليس بوسعنا في وقفات كهذه إلا أن نقف على نُتفٍ مما في هذه اللغة التي أراد الله أن يحفظها، فقاومت جميع التحديات، بما امتلكت من قواعد منطقية وأساليب ساحرة وفنون باهرة، ومرونة كبيرة أثارت الإعجاب.

 

وإذا كانت الأمثلة على سعة العربية وخصبها وعبقريتها مما لا يمكن حصره، فلعلنا نستطيع في هذا الحيز الصغير، الوقوف على بعض هذه الأمثلة والشذرات.

نقول للرجل الذي خلت قدمه من الخفّ: (حافٍ)

ونقول للرجل الذي ليس فوق رأسه غطاء: (حاسر)

ونقول لمن خلا وجهه من الغطاء: (سافر)

ونقول لمن يشاهد في المعركة بلا سلاح: (أعزل)

 

مواقف

بلاغة العربي:

في تراثنا العربي من المواقف التي تروى عن رجال ونساء وفتيان وشيوخ ما يستوقف العقل ويحار المرء فيه، بقدر ما يأسف لما انتهى إليه حال اللغة وعلاقتنا بها اليوم. ففي جميع تلك المواقف دلالات واضحة على حدة ذكائهم وامتلاكهم لبلاغة القول المصحوب بسرعة البديهة. من ذلك مثلاً، الآتي:

 

* روي أن معتوهاً جاء إلى أبي عمرو بن العلاء عالم اللغة والرواية المعروف، فقال له: يا أبا عمرو، لم سُميت الخيل خيلاً؟ فأطال أبو عمرو ثم قال: لا أدري. فقال له الرجل: لكني أدري. فقال: علّمنا نعلم. قال: سُميت بذلك لاختيالها في المشي. فقال أبو عمرو لأصحابه بعدما ولى المجنون: اكتبوا الحكمة وارووها ولو عن معتوه.

ولا شك في أن لغوياً كبيراً حاذقاً كعمرو بن العلاء لم يكن ليشيد بحكمة المعتوه- بحسب الرواية- لولا أنه لمس رجاحة في استنباط دلالة تسمية الخيل.

 

* وعرف عن النظّام أنه كان يتوقد ذكاء من صغره، ويتدفق فصاحة. ومما يروى عنه أن أباه جاء به وهو صغير إلى الخليل بن أحمد ليعلمه، فقال له الخليل يمتحنه، وفي يده قدح زجاج: يا بني، صف لي هذه الزجاجة، قال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: تريك القذى، ولا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراءها: قال: فذمها، قال: يسرع إليها الكسر، ولا تقبل الجبر. قال:

صف لي هذه النخلة، وأومأ إلى نخلة في داره، قال: بمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال حلو جناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها. قال: فذمها، قال: صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى، فقال الخليل: يا بني، نحن إلى التعلم منك أحوج.

من المعروف أن النظّام قد غدا من رجال الصوفية المعروفين فيما بعد. ويتضح من الرواية مدى الانبهار الذي أبداه الخليل من أجوبة النظّام وهو صغير، أتى به أبوه ليتعلم على لغوي كبير كالخليل بن أحمد الفراهيدي الذي عبر خير تعبير عن إعجابه الشديد بالفتى حين رأى أنه الأحوج إلى التعلم منه.

 

فروق لغوية:

في الاستعمال اللغوي ثمة فروقات دقيقة لا يدركها العامة ويعرفها المهتمون باللغة والمختصون فيها، وسنحاول في كل عدد الوقوف على صور منها.

 

زرع وغرس: الفرق بين زرع وغرس أن الغرس للشجر والنباتات ذات الكيان، أما الزرع، فلا يستعمل في العربية إلا للحبوب والبذور التي تزرع.

من هنا نلحظ تفشي الغلط على ألسنة كثير من الناس حين يتحدثون عن زراعة الأشجار وليس غرسها.

النُباح والعُواء: الفرق بين النُباح والعُواء أن النباح هو صوت الكلب، أما العُواء فيطلق على صوت الذئب.

 

فوائد لغوية:

يخطئ بعضنا في لفظ المجلس الذي يقام للاحتفال، فيقول: مَحفَل(بفتح الفاء)، والصواب أن يقال (مَحفِل) بكسر الفاء على وزن (مَفعِل).

يخطئ بعضنا في اسم الشهر السُرياني المقابل لشهر أبريل فيقول: نِيسان (بكسر النون)، والصواب أن يقال نَيْسان (بفتح النون وإسكان الياء).

يخطئ بعضنا في اسم المدينة السعودية المعروفة، فيقول: جَدَة (بفتح الجيم)، والصواب أن يقال: جُدّة (بضم الجيم).

يخطئ بعضنا في لفظ المكان الزراعي المخصص لتنزّه الناس فيه، فيقول: مُنتزَه، والصواب أن يقال: مُتَنزَّه(بضم الميم وفتح الزاي المشددة).