لا سبيل إلى معرفة ما للعربية من دقة إلا إذا تأملنا بعض ما خلّفت لنا من صيغ واستعمالات ومواضعات لا حد لها. وليس بوسعنا في وقفات كهذه إلا أن نقف على نُتف مما في هذه اللغة التي أراد الله أن يحفظها، فقاومت جميع التحديات، بما امتلكت من قواعد منطقية وأساليب ساحرة وفنون باهرة، ومرونة كبيرة أثارت الإعجاب.

 

وإذا كانت الأمثلة على سعة العربية وخصبها وعبقريتها مما لا يمكن حصره، فلعلنا نستطيع في كل عدد من أعداد مجلتنا الجديدة، بدءاً من عددنا هذا، الوقوف على بعض هذه الأمثلة والشذرات. فقد وضعت العربية للشابة البكر مثلاً اسم (العذراء)، لكنها خصت الشابة المتسمة بحسن الخَلق باسم خاص، يميزها من هذا العموم هو (خَوَد)، وخصت من كانت تنفر من الشكوك والريبة نفوراً واضحاً باسم(نَوَار).

ولم تقف اللغة عند هذا الحد بل لجأت إلى تسمية من تزوجت من النساء وأحْصَنها زوجها باسم مشتق من هذا الفعل لتطلق عليها لفظ (المُحْصنة)، فإن بقيت في بيت أبيها ولم تتزوج صار اسمها (عانس).

وميزت اللغة بعد ذلك بين المرأة التي يموت ولدها وبين من يموت زوجها؛ فسمت الأولى (ثَكول) وسمت الثانية (أرملة). لكن المرأة التي لا زوج لها تدعى (عزبة) مثلما تدعى (أيم) أيضاً.

 

ثقة العربي بنفسه

يروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه مر يوماً بصبيان يلعبون وفيهم عبدالله بن الزبير، فعدا الصبيان ووقف عبدالله، فقال له عمر: مالك لا تذهب مع الصبيان، فقال: يا أمير المؤمنين لم أجن إليك فأخافك، ولم يكن في الطريق ضيق فأوسعه لك.

 

رأيان في التكرار الأسلوبي

يروى عن ابن السماك أنه قال لجارية له، تصغي إلى كلامه: كيف تجدين كلامي؟ قالت: ما أحسنه لولا أنك تكثر ترداده. قال: إنما أردده ليفهمه من لم يفهمه. قالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه، ملّه من قد فهمه.

 

فطنة العربي

يروى عن يونس عالم اللغة المعروف أنه كان يتردد على الخليل بن أحمد ليتعلم منه العروض، فصعب عليه تعلمه، فقال له الخليل يوماً: من أيّ بحرٍ قول الشاعر:

إذا لم تستطعْ شيئاً فَدعْهُ وجاوزْهُ إلى ما تستطيع

ففطن يونس لما عناه الخليل وما أراده من إيراد هذا البيت، فترك العروض.

 

فروق لغوية:

في الاستعمال اللغوي ثمة فروقات دقيقة لا يدركها العامة ويعرفها المشتغلون فيها، وسنحاول في كل عدد الوقوف على صور منها.

الشك والارتياب: الفرق بين الشك والارتياب أن الارتياب شكٌ مع تُهمةٍ، فقد تقول: إني أشك في هطول المطر اليوم. وتقول: إني مرتاب في سلوك صاحبك. لكن لا يصح لك أن تقول: إني مرتاب في هطول المطر.

البعث والإرسال: الفرق بين البعث والإرسال أنه يجوز أن تبعث صديقاً إلى آخر لحاجة تخصك، أو إلى مكتب لقضاء أمر تراه، فتقول: بعثت فلاناً، ولا تقول أرسلته؛ لأن الإرسال لا يكون إلا برسالة أو ما يشبهها.

الإطراء والمديح: الفرق بين الإطراء والمديح أن الإطراء مديح، لكنه لا يكون إلا وجهاً لوجه، أي لا يسمى كذلك إلا حين تمدح شخصاً في وجهه. أما المديح فلا يشترط فيه أن يكون في الوجه، إذ قد يكون في الوجه أو في غياب الشخص الممدوح.

 

فوائد لغوية:

نقول للمرء المُشرف على الموت: رأيت الرجلَ وهو يُحتضَر(بضم الياء وفتح الضاد)، متجنبين اللفظ الشائع للفعل حين نقول يَحتضِر(بفتح الياء وكسر الضاد)؛ وذلك لأن الصيغة الأولى هي صيغة المبني للمجهول الدالة على علة خارجية للموت هي الله (سبحانه)، أي من يحتضِر الروح ويأخذها.

ونستعمل في لهجاتنا العامية أو لغتنا المحكية المفردة اللغوية (عَفسَ) و(معفوس) لمن هو مضغوط وغير مرتاح، ونظنها عامية. والحق أنها مفردة فصيحة، إذ نجد في المعاجم: عفسَ الثيابَ أي ضغط عليها بقدمه وخلطها بعضها ببعض. وهو المعنى المجازي الذي استعرناه للشخص غير المرتاح.