يغلب على أنشطتنا وحواراتنا نحن العرب، مثقفين وأدباء وإعلاميين وجمهوراً عاماً، قصر النَفَس والضيق بالرأي الآخر، والانحياز إلى آرائنا الذاتية وقناعاتنا الخاصة، إذا ما قورنت بثقافة المجتمعات المتقدمة.

 

ولا ريب أن وراء ذلك أسباباً وظروفاً مختلفة، يعود بعضها إلى الأسرة، فالمدرسة، فالمجتمع الكبير.

 

في البيت الأسري، تنسحق ذوات الأبناء تحت سلطة أبوية قهرية، لا تشجع على الاستقلال والاختلاف في الأغلب الأعم، وتؤثر التوجيهات وإصدار الأوامر والاستهانة برأي الابن، إذا جاء حاملاً اتجاهاً مختلفاً.

 

وفي المدرسة، تستمر دورة انسحاق الذات تحت سلطة المعلم المستبد الأوحد، الذي يحرص على دفع طلبته إلى استرجاع أفكاره كنسخ مكرورة، في ظل أجواء من التلقين، بعيدة عن آليات الخلق والتفكّر والاستقلال والإضافة والاختلاف. ولا يود أن يرى الطالب وهو يزحزح له رأياً أو منطلقاً ذهب إليه، ورأى طالبه فيه رأياً مختلفاً.

 

وليس بعيداً أن يضيق المعلم بهذا الطالب وأن يبادر إلى قمعه ونهيه بطرق مختلفة. وليست الجامعات في مجتمعاتنا بأفضل حالاً، ولا المجتمع الأوسع الذي ينتهي إليه الفرد بعد تخرجه في الجامعة ودخوله معترك الحياة العملية، فقد وجدنا من الأساتذة الذين يتقبلون اختلافنا معهم في الرأي أقل بكثير ممن يغلقون بوجهنا قنوات الحوار.

 

بل إننا لا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا: إن مجتمع النخبة المثقفة ليس بأفضل حالاً مما نعيشه في جوانب حياتنا الأخرى. وليس عليك سوى أن تشهد جانباً من حوارات مثقفينا في أي ندوة أو مؤتمر فكري أو ثقافي، لترى العَجب العُجاب. فمن العيب أن يعترف المرء عندنا بالخطأ أو القصور أو حتى التوهم.

 

ومن الصعب تقبل النقد، لأنه عندنا مرتبط بالانتقاص من الذات، وليس من الفكرة وحدها.

 

هنا، يخطر لي سؤال يمكن أن يشكل مقترحاً مفيداً في المجال التربوي، هو: لم لا تسعى مدارسنا إلى إدخال مساق تعليمي عن الحوار، حتى وإن كان بمعدل ساعة أسبوعياً، لجعل الطلبة يمارسون المهارة ويعتادون عليها لتتأصل في نفوسهم. أو استثمار موضوع المناظرات والخطابة ضمن مادة اللغة العربية في المراحل جميعاً لجعلها محوراً للتطبيق.