إنهم شموعٌ لطالما أحرقت يداي بعذب وحنان وجودهم إلى جانبي. لم أتخيل أو أفكر لحظة أن دموعي ستنهمر، وأن عينيّ لن تقدرا على تحمل رؤيتهم بملابس التخرج اللامعة.. أسماؤهم الجميلة سُطرت بحروف عربية على صدورهم الصغيرة، فوقفوا واثقين في سطور منظمة على أرضية الصالة الصفراء، وضحكاتهم تعبث بجنبات المدرج الأصم..
هذه المشاهد أفزعتني أمام حقيقة هذا اليوم الموعود.
هم طلاب الصف الخامس في مدرسة الوطن بإمارة أم القيوين، أنهوا المرحلة الدراسية الأولى من حياتهم، ووقفوا على عتبة الانتقال إلى المرحلة التالية التي ستفتح لهم أفقاً وأمنيات كبيرة، تاركين لنا أمل البناء من جديد.
تصفيقاتهم الحادة اقتحمت كياني فأثارت في نفسي الحماس للاستمرار والعطاء. حينها لم أستطع وصف شعوري الجارف هذا، ولا أعتقد أنني أستطيع.
أحبهم وأعشقهم وأخاف أن تعلّقي بهم قد يحدث فارقاً كبيراً في حياتي. طيفهم مازال يتحرك أمامي بالرغم من وجودهم في قاعة التخرج. لم أقوَ على مجرد تحمل النظر في وجوه لن أراها العام المقبل.
اقشعرت ثنايا جسمي عندما اصطفوا لتسلم شهادات التخرج، ودروع التفوق التي كانت من نصيب المتميزين منهم.
تسمر ناظري أمام صورة وزعت مع شهادة التخرج، ضمت صور الخريجين كافة، وكأنها لوحة جمعت ألوان الطيف الرائعة. إنه مشهد أثار حافظة شريط الذكريات لدي، وسرعان ما اتخذت لها مكاناً خاصاً فيه. فأصبحت مجموعة ذكرياتي تضم أجمل وأروع المشاهد العابرة.
مازلت أذكر خطواتهم الصغيرة على عجل.. عطشي لحضنهم لم أستطع كبحه، ورغبتي ببقائهم لن تجدي نفعاً. إنهم الطيور الواعدة، أُطلقت في ذلك اليوم مع أمنيات يلفها الحنين والدعاء بالتوفيق والنجاح.
أبكيتموني ولكن سأرسم على جبين المجد «أبنائي.. كم أهواكم». سأنتظر براعمكم الفتية لتكبر ويشتد عودها. وسأرقب وعوداً لطالما ألقيت على مسامعي منكم.. إنها أحلام على دروب المجد تتحقق.
