قبل سنوات عدة وخلال زيارتنا لإحدى المدارس الهولندية في أمستردام، لفت انتباهنا عدد كبير من العمال في المدرسة يتولون عمليات التنظيف والصيانة، بالإضافة إلى تنظيم حركة السير في المنطقة المحيطة بالمدرسة. زيارتنا تلك صادفت منتصف العام الدراسي تقريباً، فترة العمل والدراسة، وليست الإجازة.

ورغم ذلك فإن عدد العمال الكبير أثار استغراب الجميع، خاصة وأن المدرسة صغيرة. وخلال جولتنا تحدثنا مع مدير المدرسة بأن الصيانة تُجرى في مدارسنا فقط أثناء الإجازات، وفي الحالات الطارئة بعد انتهاء الدوام.. فابتسم المدير وقال: هؤلاء ليسوا عمالاً! إنهم أولياء أمور الطلبة، وهذا اليوم مخصص لتطوعهم في الأعمال التي ترونها أمامكم.

وأضاف: لدينا هنا أيام معينة في السنة، نخصصها لأولياء الأمور الذين يودون التطوع ومشاركتنا في خدمة المجتمع المدرسي. وتابع المدير قوله: إن جميع المعدات التي ترونها تُستخدم في أعمال التنظيف وباقي أعمال الصيانة، قد جلبها أولياء الأمور معهم من بيوتهم، مساهمة منهم في تقليل نفقات المدرسة.

 بعدها أشار إلى أن الأيام المخصصة لتطوع أولياء الأمور معروفة عندهم، منذ بداية العام الدراسي، ويحرص الكثير منهم على أن يحصلوا على إجازة من رصيدهم، للحضور إلى المدرسة في تلك الأيام المحددة. ونسبة غياب بين الآباء تصل لدينا في أغلب الأوقات إلى حد الصفر، إلا إن صادف أحدهم أمراً طارئاً.

العمل التطوعي كما يقول ذلك المدير، يعد ركيزة أساسية في مجتمعنا التربوي. وعندما يبادر أولياء الأمور إليه، حتما لن يتقاعس أبناؤهم عنه أبداً. وهم بتطوعهم فإنهم يوجهون رسالة غير مباشرة إلى أهمية العمل التطوعي باعتباره سلوكاً اجتماعياً يقوم على اعتبارات أخلاقية، واجتماعية، وإنسانية.

رسالة أولياء أمور طلبة المدرسة الهولندية، تبدو مهمة بالنسبة لنا جميعاً، وعلينا الاستفادة منها، نحن لا نقول إنه لا توجد لدينا نماذج شبيهة بهذه المدرسة، لكننا نلمس حتى اليوم قصور بعض أولياء الأمور في غرس مثل هذه القيم النبيلة في نفوس أبنائهم، فما أكثر أولياء الأمور الذين يعترضون على قيام أبنائهم بتنظيف المدرسة، وكم من ولي أمر يوافق ومن دون نقاش على طلب ابنه الغياب في اليوم الذي يصادف عملاً تطوعياً داخل المدرسة أو خارجها!.

العمل التطوعي لن ينجح إلا بقناعتنا بأهميته، فهو وسيلة لراحة النفس والشعور بالاعتزاز والثقة، وله فوائد جمة تعود على الفرد المتطوع نفسه وعلى المجتمع بأكمله، من خلال الاستغلال الأمثل لطاقات الأفراد، وخاصة الشباب، في مجالات غنية ومثمرة لمصلحتهم الشخصية، والاجتماعية.