تبقى أيام المدرسة من أجمل الذكريات التي لا يمحوها الزمن.. ذكريات محفوظة في ألبوم الحياة، ألبوم تقلب صفحاته بحب واشتياق، ألبوم صوره كلها جميلة، فيه سجلنا أروع اللحظات وأحرج المواقف، ذكريات قد نذرف دموع شوق لمجرد تذكرها، وكم هي الأمنيات أن تعيد رسم المشهد مرة ومرات.

من منا لم يفرح، من منا لم يذهب إلى البيت وهو يبكي، من منا لم يخبئ شهادته عن ولي أمره لأنها كانت مزينة بـ «دويرة حمرة»، من منا لم يقف في طابور المقصف يصارع للحصول على «سندويشة فلافل»، من منا لم يقف خارج باب المدرسة يتوسل للمشرف لكي يدخل بعد أن تأخر عن طابور الصباح، من منا لم يتبادل الضرب بالطباشير مع زميله، من منا لم يتعارك في باص المدرسة لأتفه الأسباب، من منا لم «يبرشم» على الطاولة، من منا لم يتسمر في الإعدادية أو الثانوية، إلى جانب الإذاعة ليتابع أسماء الناجحين.نعم كل هذه المواقف تمر أمام أعيننا كشريط سينمائي نتمنى أن يعود الزمن لكي نستمتع بمشاهدته مرة أخرى. فأنا شخصياً لم أكن طالباً «شاطراً»، لكنني مازلت أتذكر حصولي على الترتيب التاسع في الثالث إعدادي.

وهي المرة الأولى والأخيرة، بالرغم من أنني لم أكن ناجحاً في جميع المواد (دويرة في الحساب)، وأتحسر حالياً لأنني لم أحتفظ بنسخة من الشهادة.كما أنني لم أنسَ الموقف الذي حصل لنا في الصف الأول، عندما دخل علينا أستاذ الحساب أحمد وقال جملة لم نفهم منها سوى «اللي يبغي يرفع يده»، وعندما رفعنا أيدينا عرفنا باقي الجملة «اللي يبغي ينضرب بالخيزرانة يرفع يده»، وطبعاً الأستاذ لم يتراجع بالرغم من تأكيدنا أننا لم نفهم ما قاله.

 ومن الذكريات التي لن أنساها أيضاً، السيارة «البيك أب» التي كنا نذهب بها إلى المدرسة في عز البرد، متسلحين بالبطانيات وغطاء الرأس، وكم هي المرات التي تعطلت فيها السيارة بسبب الأمطار الغزيرة فنضطر بعدها للمشي إلى المدرسة في رحلة طويلة.

أيام جميلة؛ قد تجد الأجيال الحالية صعوبة في فهمها، فالذهاب إلى المدرسة اليوم إن لم يكن في «الباص» المكيف ففي أفخم السيارات.. الأجيال الصغيرة اليوم لم تتذوق ريحة الطباشير، ولم تقف في طابور الحصة الرياضية وهي موزعة في أربع فرق (أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي).

نحن لا نريد المعاناة لأبنائنا كما كابدنا الحياة نحن، لكننا نريدها دائماً أن تحمد ربها على النعم، وأن تبقى وفية لوطنها بالجد والمثابرة ورد الجميل، فبالتعليم وحده تتقدم الشعوب.