الولد الذي يمسك بساعة أبيه ويسمع دقاتها، تجده تواقاً لمعرفة أسرارها الداخلية، مدفوعاً بغريزة حب الاستطلاع، فيبدأ في فكها وتركيبها ليتعلم. ثم تجد الأب يثور على ولده، وربما حق له أن يثور من أجل ساعة، وقد يلجأ إلى عقاب الطفل، فيتألم الابن لما ناله من جزاء، يرى أنه لا يستحقه لأنه كان يقصد بعمله من تفكيك الساعة، الوقوف على أسرارها وحسب.

نؤكد دائماً أن لدى الطفل غرائز تدفعه للعمل والحركة والبحث عن أسرار الأشياء، من هذه الغرائز: حب الاستطلاع، والتخريب والبناء، وهذه من نعم الله سبحانه وتعالى، وضعها في الأطفال ولا يعرف كثير من الآباء سرها ومغزاها. وعيوب الأطفال تلك، تقلق الآباء والأمهات، وتشغل بالهم حرصاً على مستقبل أبنائهم وخشية على مصيرهم، فيعتقدون أن ابنهم مخرب ويرون أن هذا عيب ونقيصة.

الغريزة قوة كامنة في الحيوان والإنسان تدفعه للقيام بأعمال دون سابق تفكير وتمرين. ودون توجيه من طرف آخر، والغرائز تظهر واضحة في الحيوانات، فالطير مثلاً يبني عشه ويغذي أطفاله ويدربهم على الطيران دون سابق معرفة أو تعليم. ولدى الإنسان كثير من الغرائز كحب البقاء وحب الاستطلاع.. إلخ، وهذه الغرائز نعمة من نعم الله أوجدها في الطفل لتدفعه إلى الحركة التي تقوي جسمه، وإلى حب الاستطلاع وتحليل الأشياء وتركيبها لدراسة ومعرفة كنية الأشياء!

بعض الغرائز تظهر أنها ضارة كالعنف والقتال وسواها، ومثل هذه الأفعال إن كُبتت قد تحدث انفجاراً وكبتاً لدى الأطفال فيبقى هذا الكبت في العقل الباطن أو ما يسمى باللاشعور، مما يسبب الأمراض العصبية والنفسية. ولنأخذ من فيضان النيل قديماً مثالاً لذلك، فإذا صدوا الفيضان ببناء السدود ارتد ودمر ما حوله، وإذا تركوه استمر في تدمير كل ما يقابله، لكن بتغيير مسار الفيضان إلى أماكن تحتاج إلى المياه فهذا أولى وأجدر للاستفادة من هذا الفيضان المدمر.

لذا فمن الواجب علينا كمربين، السعي لتحويل الغرائز التي يظهر ضررها أو السمو بها. نذكر طفلاً يتلف ساعة والده فينبغي أن تُشبع غريزته بتحليل وتجزئة الساعة (ساعة رخيصة الثمن طبعاً) ليعرف أسرارها وتركيبها ومن ثم يمكنه فك هذه الساعة وتجميعها مرة أخرى. أما الطفل الذي يحب القتال فلو انتسب إلى أحد النوادي الرياضية، لتحولت غريزة حب القتال عنده وأُشبعت في أعمال نافعة.

ما نود أن نقوله إن كثيراً من الأعمال التي يقوم بها الأطفال وتظهر للآباء والأمهات أنها ضارة هي في الحقيقة نافعة كثيراً، إنما عدم علم هؤلاء الآباء والأمهات بنفسية أطفالهم، وطلبهم للهدوء والسكينة، هو الذي أوحى إليهم الحكم بضرر لعب الأطفال وميلهم للحركة وحب البناء والتخريب. أوصيكم، السماح للأطفال بعمل ما يشاءون وقول ما يريدون ما داموا لا يضرون أنفسهم ولا غيرهم. هذه القاعدة هي نصف التربية، ذلك أن الأطفال مدفوعون بحكم غرائزهم للقيام ــ غالباً ــ بالأعمال النافعة لتقوية أجسامهم وإنماء عقولهم، وإن تدخل الآباء والأمهات الذين لا يتحلون بثقافة تربوية في سلوك الأطفال ونفسيتهم، فيه ضرر كبير.