بمجرد أن ينهي الطفل رحلته في الروضة ويلتحق بالصف الأول، يبدأ مسلسل البكاء المرهق للأمهات والآباء وحى المعلمات، بسبب رفضه البريء للمدرسة، مستدراً بذلك عطف ذويه للذهاب معه إلى المدرسة، وبديهياً يحدث ذلك مع نسبة كبيرة من الأطفال المستجدين على الحياة المدرسية.. المهم هنا، أن ثمة معطيات تساهم في مد حالة الرفض والبكاء إلى فترات أطول، بارتكاب أخطاء لا تعي الأمهات خطورتها على المدى البعيد، فكيف يجب أن تتعامل الأم مع هذه المشكلة؟ وما هو الدور الذي تؤديه المعلمة لتهدئة أطفال الصف الأول في حلقات التعليم الأولى وامتصاص خوفهم؟
تشير علياء أحمد اختصاصية اجتماعية إلى أنه نحو 40% من طلبة الصف الأول يعانون من حالة البكاء في بداية العام الدراسي، وهذه النسبة تنحسر وتتراجع تدريجياً مع مرور الأيام، موضحة أن أحد أهم المسببات في ذلك، هو الدلال المفرط الذي يحصل عليه الطفل من قبل ذويه، وبعد دخوله إلى المدرسة ينعكس تأثير ذلك، الذي يتجلى في رفض الطفل للمدرسة وتهربه من الذهاب إليها كل صباح، مشددة على ضرورة إمساك العصا من نصفها وعدم المبالغة في تدليل الأطفال أو التراخي في قضية الحضور والغياب في هذه المرحلة.
وتبدي علياء دهشتها إزاء بعض الطرق والأساليب التي يتخذها الأطفال لمغادرة الفصل رغم صغر سنهم، إذ تجد بعضهم يجهش بالبكاء، ليتضح مع مرور الأيام أنه كان يدعي الخوف ويمثل بالبكاء، لاستدرار عطف ذويه لمغادرة المدرسة.
اختلاف البيئة
المعلمة حنان رضا تقول إن اختلاف البيئة على الطفل يفرض الخوف والنفور من المدرسة كونها مرحلة مختلفة عن الروضة من جوانب عدة، لاسيما وأن الأم تتواجد إلى جانب الطفل باستمرار في الروضة، وتسمح له الغياب مدة طويلة، على نقيض قواعد المدرسة الحازمة في هذا الجانب نسبياً.
وتضيف إن الروضة تتميز بكونها خليطاً من الأطفال جميعهم في سن واحدة، لكن يفاجأ الطفل بالوجوه التي يراها للمرة الأولى، فتظهر علامات الخوف والرهبة لديه، التي تنعكس بالبكاء الذي يمتد أحياناً حتى نهاية اليوم، وربما يستمر بعضهم بالبكاء لثلاثة شهور منذ بداية العام الدراسي.
وتستهجن رضا، رفض بعض أولياء الأمور والأمهات، مشاركة الأطفال في الأنشطة خارج المدرسة في السنوات الأولى لالتحاق الطفل بالمدرسة، مؤكدة أن الأطفال لديهم الدافع للعمل في أنشطة كهذه، وفيهم من التفاعل وحب المشاركة الكثير جداً، وذلك أمر مهم يجب الالتفات إليه من قبل الأهل والمربين.
وتشير حنان رضا إلى أنه ثمة عوامل تبغض الطفل بالمدرسة، أهمها تعامل المعلمة الجاف والقاسي معه والصراخ عليه باستمرار، وتلك من الأخطاء الجسيمة التي يرتكبها بعض المعلمات مع الأطفال، وتتفاقم المشكلة إلى حد ظهور حالة خوف من جميع المعلمات، ويتداعى الأمر لاحقاً إلى تعميم الخوف من المدرسة بصورة كاملة.
التودد والثقة
وتتعامل المعلمة هيا سعيد مع هذه الشريحة من الأطفال بالتودد إليهم وكسب ثقتهم عن طريق تقديم الألعاب والحلويات والهدايا لهم، وهي ترى أن كسر حاجز الخوف لا يكون إلا عن طريق مزج التعليم بالأنشطة الصفية والتطبيق، واستخدام الألعاب والوسائل الملموسة، كما يجب أن يخصص الأسبوع الأول من العام الدراسي لتهيئة الأطفال نفسياً وبث ملامح الأمان والطمأنينة لديهم بخلق حوارات عفوية بريئة معهم.
وتنوه إلى أن معالجة مثل هذه الحالات في وقت مبكر حاجة ملحة، إذ أن عدم الالتفات إليها بجدية قد ينتج عنه أخطار بعيدة المدى تتمثل في انعزال الطفل وانطوائه عن المجتمع بصورة عامة، والطلبة على وجه الخصوص، وعلى الأم التعامل مع هذه الحالات بحذر وانتباه، بمتابعة الطفل عن كثب وحثه على التعليم برفق وعطف، مع مراعاة ترك مسافة كافية كي لا يصبح التعلق بالأم شديداً ليبلغ حد عدم القدرة على مفارقتها أثناء الدراسة.
تأقلم الأطفال
وتكاد حالات الخوف والرفض للمدرسة تنعدم حسب ما ترى المعلمة شيخة البلوشي في الصف الثالث نتيجة تأقلم الأطفال تدريجياً مع المناخ المدرسي، إذ تسعى بعض الأمهات إلى الجلوس داخل الفصل إلى جوار أبنائهن حرصاً على مصلحة الطفل، مضيفة إنه ثمة عوامل أخرى مؤثرة أبرزها نشاط الأسرة الاجتماعي ومدى تفاعلها ومشاركتها في المناسبات الاجتماعية.
وتربط شيخة بين رفض الطالب للمدرسة بثالوث التفاعل والذكاء والتعلم، وترى أن فقدان أحد هذه العناصر سيؤثر حتماً على مستوى الطالب وشخصيته، إذ إن عدم التفاعل سيؤدي إلى رفضه للمدرسة وعدم قابليته للتعلم، ما ينتج عنه مستقبلاً محدودية الذكاء وعدم استثماره بصورة صحيحة.
