لطالما ظل شعار ماضينا القريب من التعليم، «لا صوت يعلو فوق صوت المعلم»، فقد كان لسان حال الآباء حينها، «لك اللحم ولنا العظم»، في دلالة على الإيمان المطلق بما يفعله المعلم من أجل الطالب، حتى وإن كان للضرب حضوره الأقوى في تلك العلاقة، وهو ما يمنح المعلم مزيداً من الثقة في لعب دوره التربوي على الوجه الذي يرضي ضميره.

وبالتأكيد ينعكس إيجاباً على أجيال تربت وأجادت في ظل هذا الواقع.. لكن ومع مرور الوقت، فقد تغير هذا المفهوم ليتماشى مع تطور المجتمعات وثقافة الأفراد، كما تغير مستوى ثقافة أولياء الأمور، ومتابعتهم لأصول التربية الحديثة المستمدة من وسائل الإعلام والإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها العديد من الوسائل.

تربوياً وحديثاً، أصبح الضرب والعقاب البدني عبئاً نفسياً ينعكس سلباً على الطلبة، وصار لا بد من تقنينه، وباتت العقوبات البدنية من الوسائل العتيقة التي لم يعد لها نفع اليوم في توجيه الطلبة نحو المسار الصحيح، فالمعلم يتولى بناء شخصية الطالب بأسلوب مختلف، وهو يحتاج إلى فنون في التعامل، فالإنسان بشكل عام والطلبة بشكل خاص، هم عبارة عن قدرات ومهارات وطرق تفكير، التي تحتاج في نموها، إلى تشجيع ومناخ محفز، هذا بحسب ما يشير إليه الدكتور محمد روبين إدريس المدير العام للمدارس الأهلية الخيرية في دبي.

 

تطور وثقة

ويضيف إدريس، أن الضرب والعقوبات البدنية تكسر حاجز الاحترام بين الطالب والمعلم، وتؤدي إلى اختلال الصورة فيفقد المعلم دوره في توصيل الرسالة العلمية، مضيفاً أنه ومن خلال لقائه المتواصل مع الطلبة القدامى الذين أصبحوا اليوم أولياء أمور، وعندما يسألهم عن المعلمين الذين يتذكرونهم، يقولون: «المعلم الفلاني الذي كان يضربنا، وكنا لا نستوعب شيئاً أثناء تدريسه.

وكنا نلتزم الصمت خوفاً من الضرب».ويشير إلى أن زيادة وعي أولياء الأمور ومواكبتهم للتطور، ساهم في القضاء على العديد من الصعوبات، ولكن في الوقت نفسه زاد من قناعات بعضهم بأن دور المعلم أصبح للتعليم وحسب، دون مراعاة للدور التربوي، حتى بات بعضهم يمنح الثقة لأبنائه بدرجة تفوق ثقتهم بمعلميهم، وهذا بدوره ينعكس بشكل سلبي على مستقبلهم، لمعارضته أهداف العملية التربوية التعليمية.

 

دور سلبي

وفي الإطار نفسه، يؤكد إبراهيم جاسم معلم تاريخ، أن ثقة أولياء الأمور بالمعلمين، تكسبهم جرعة إيجابية تساهم في توصيل الرسالة السامية التي يؤدونها، وعلى الرغم من ضرورتها في العملية التربوية، إلا أن هناك العديد من أولياء الأمور يقومون بأدوار سلبية تعطي مفهوماً آخر للثقة، مما يؤدي إلى خلق صعوبات وتحديات أمام المعلمين في القيام بأدوارهم على أكمل وجه.

ويضيف أن هناك العديد من أولياء الأمور لا يثقون بالمعلمين، ويستشف ذلك من خلال زيارة بعض أولياء الأمور للمدرسة، الذين يتهجمون بعصبية على المعلمين أثناء حدوث مشكلات بسيطة، ولا يستمعون إلى رأي إدارة المدرسة أو المعلم حيال المشكلة التي يكون ابنه سبباً فيها، بل يعتمدون على الصورة المغلوطة، التي ينقلها الأبناء لهم.ويرى أن ذلك يزيد المشكلة تعقيداً.

ويساهم بشكل مباشر في تمادي الأبناء في الخطأ، وكذلك يربط مصيرهم بالفشل، ويؤدي إلى تدني مستواهم الدراسي، كما يدفعهم إلى التمرد على معلميهم، ويشير إلى أن تفوق الطلبة يرجع إلى الثقة التي يمنحها أولياء أمورهم إلى معلميهم.

 

مواكبة وابتكار

وفي جانب آخر، يرى العديد من أولياء الأمور، أن العقاب البدني أصبح عديم الجدوى، وأسلوب التربية الحديث يحد من انتشار مثل هذه العقوبات، وهناك طرق جديدة ومبتكرة لمعالجة القضايا التربوية المختلفة، حيث يؤكد خالد أحمد، أنه على اطلاع على وسائل تربية الأبناء الحديثة التي تنشرها المراكز البحثية ووسائل الإعلام والكتب، لذلك يرى أن التعامل بالطرق الحديثة من أنسب الحلول لرفع كفاءة الطلبة، لكن بشرط أن لا يكون موقف ولي الأمر سلبياً تجاه إدارة المدرسة ومعلميها، ولا يكتفي ببعض الرواية التي ينقلها الابن في حال حدوث المشاغبات أو العقوبات التي تقوم بها إدارة المدرسة.

ويجزم راشد عبيد أن ثقته بالمعلمين، وتعاونه معهم للتغلب على الصعوبات التي تواجه مستقبل أبنائه، ساهمت في تفوقهم وتميزهم دراسياً وسلوكياً، موضحاً أنه في حالة التقصير أو تدني مستوى أبنائه، فلا يتردد في التوجه إلى المدرسة لمعرفة الأسباب، كما أنه يزرع في نفوس أبنائه قيمة كبيرة للمعلم، ليكنوا له الحب والولاء والاحترام.

وفي الوقت نفسه يرفض التعامل السلبي من قبل المعلمين أو الضرب، لأنه لا يتعامل مع أبنائه بهذه الطريقة في كل الحالات، بل يتعامل معهم بطرق حديثة منها حرمانهم من الأشياء التي يحبوها أو غيرها من الطرق المجدية، لكنه يرفض الضرب والعقوبات البدنية إطلاقاً.