في عالم سيطرت فيه الحداثة على مجريات الحياة، وتنافس الجميع في الجري خلف الموديلات وصيحات الموضة، بحجة مواكبة العصر الذي أغرقت متطلباته عقول الأجيال، واستنزفت تفكيرهم حتى حجبتهم عن استذكار أمسهم القريب وتراثهم.. كان لا بد من وقفة تنقلهم إلى زمن الماضي والأصالة، المفعم بالعادات والقيم التي تربى عليها آباؤنا وأجدادنا، وذلك بالتحديد ما كان في الأسبوع التراثي الذي نظمته مدرسة الألفية للتعليم الأساسي حلقة ثانية، بالتعاون مع مدرسة الأقصر.
حاجة وصعوبة
نعيمة جعفر مديرة مدرسة الألفية، تقول إن الأجيال الحالية بحاجة ماسة إلى تفهم الموروث الشعبي، لأنه يساهم في تغير صورتهم المستقبلية، حيث أصبحوا يعيشون في رفاهية مطلقة، متناسين أن طعم الحياة يبدو أفضل عندما يتجرع الإنسان المتاعب والصعاب، مستدلة على ذلك بالحياة التي عايشها آباؤنا وأجدادنا القدامى، في ظل القسوة والاعتماد على النفس بصورة مطلقة لتأمين لقمة العيش، فعلى الرغم من صعوبة هذه الحياة وافتقارها لشتى مقومات الرفاهية، إلا أنها كانت تحمل ذكريات جميلة، لذلك فقد أصبح من الضروري تذكير الأبناء بالماضي بين الحين والآخر.
وتضيف أن غرس التراث وصقله في عقول الطلبة، مسؤولية جماعية لا يمكن تجاهلها، وهي جزء مهم في عملية التنشئة، فالطلبة يستمدون منها العديد من الأساسيات التي تعينهم على الحياة في المستقبل، ويتحقق ذلك بالرجوع إلى ما اختزنه التراث من مهن وحرف وتعاليم، تساهم في مجملها في تكوين شخصيات الأبناء.
مشاركة متنوعة
أما حنان علي يوسف معلمة اللغة العربية في المدرسة، فتوضح أن الأسبوع التراثي تضمن العديد من الفعاليات والأنشطة، التي شاركت فيها الطالبات بحفاوة وجدارة، حيث كان التركيز في المقام الأول على الطريقة التي عاش بها الإنسان الإماراتي القديم، فشدت الخيام ونصبت العروش وتزينت بالأدوات البدائية والتراثية القديمة، التي كان لا غنى عنها في ذلك الوقت، وجاءت الأكلات الشعبية المتنوعة التي تنافست الطالبات في صنعها معتمدات على خبرات اكتسبنها من أهاليهن وذويهن.
وتشير إلى أن الفعاليات شهدت إقبالاً كبيراً من الطلاب والطالبات، وقد كان التنافس كبيراً في إتقان الأدوار، وكل شارك بحسب ميوله، فارتدى بعض الطالبات أزياءً تقليدية والبرقع الإماراتي، ونقشن أخريات الحناء على أيديهن وأرجلهن.
كما تم تجسيد العرس الإماراتي القديم بصورة حية، وما يصحبه من أهازيج تراثية وفنون شعبية، قدمها مجموعة من أطفال مدرسة الأقصر، كما قدم عدد من المهتمين بالتراث والشعر، مجموعة من المحاضرات التي تتعلق بالماضي الجميل، وشددوا على ضرورة التعرف على كل تفاصيل ماضينا العريق، خاصة في هذا الزمن بالغ التعقيد.
فوائد وعراقة
وتضيف الطالبة اليازية عبدالله في الصف التاسع، أن فعاليات الأسبوع التراثي حقق للطالبات العديد من الفوائد، من أبرزها التعرف على تاريخ الوطن وعراقة الماضي، مشيرة إلى أنها وعلى الرغم من زيارتها للعديد من الأماكن التراثية، إلا أنها تعرفت في فعاليات الأسبوع التراثي الذي نظمته المدرسة، على مهن وحرف لم تكن على دراية بها من قبل، متمنية أن يجمع التراث في منهج دراسي ويعمم تدريسه على مختلف مدارس إمارات الدولة.
أفكار تراثية
وتشير إلى أنها حرصت على تطبيق فكرتها التراثية المتمثلة في بيع الأسماك الصغيرة، التي لاقت إقبالاً كبيراً من قبل الطالبات، مما أحيا فيها دافعاً على إحياء الأفكار التجارية القديمة التي كان يمتهنها الإنسان الإماراتي القديم، والتي عرف عنها كثير من أبناء الجيل الحالي.
وفي الإطار نفسه تقول الطالبة هديل علي، المسؤولة عن تشغيل الأغاني والأهازيج الوطنية التراثية لمختلف الفنون الشعبية والمهن القديمة، أنها على علاقة متينة بالتراث، وتحفظ العديد من الأهازيج والكلمات القديمة، لذلك فقد جاءت مشاركتها في هذا السياق، مشيرة إلى أن حبها للتراث وتمسكها به، ولّد لديها شغفاً في تجميع الأهازيج التراثية، التي تحفظها وتتمعن فيها بمفرداتها وألحانها.
