عند الحديث عن التعليم الإلكتروني، دائماً ما تتصدر التكاليف المرتفعة قائمة العوائق والمشكلات التي تحول دون تطبيقه في الكثير من المؤسسات التعليمية، فهل فعلاً إن التكلفة تعد عقبة حقيقية؟ ولو كانت عقبة فكيف يمكن التغلب عليها وتخفيضها؟

 

العديد من المختصين يشيرون فعلياً إلى ارتفاع تكلفة التعلم الإلكتروني، خاصة في المراحل الأولى من تطبيقه، مثل تجهيز البنية التحتية والأجهزة وتصميم البرمجيات والاتصالات والصيانة المستمرة، وأيضاً مدى قدرة ذوي الطلبة على تحمل تكاليف المتطلبات الفنية من أجهزة وتطبيقات ضرورية للدخول في التجربة.

ولكي ينجح التعليم الإلكتروني ويحقق أقصى استفادة كما يرى كثيرون، فهو يحتاج إلى متطلبات وشروط ضرورية، كأن تكون الخطط واضحة، تبين كيفية دمج التعليم الإلكتروني، ومراحله وميزانياته، بالإضافة إلى متطلبات تقنية كالبنية التكنولوجية، وسعة نطاق عالية، وبرامج إدارة التعليم، ومتطلبات تنظيمية و إدارية عصرية، وأخيراً متطلبات بشرية من كادر مؤهل يضم خبراء التقنية وخبراء التربية، كما يتطلب تدريب خاص للمحاضرين وللطلبة المشمولين في النظام. شون غالاغر، خبير تقني، علق على مسألة التكلفة الإلكترونية بالقول:

«إن التعليم عبر الإنترنت أقل كلفة بعض الشيء من التعليم التقليدي، لأن المؤسسات التي تقدم هذا النمط من التعليم، تميل لأن تكون رسومها أقل. كما أن الطلاب يسجلون في مساقات أقل في فصل دراسي واحد. لكن إن نظرت إلى الأمر من منظور السوق عموماً، فإن التكلفة هي ذاتها، فرسوم التعليم وتكاليف التجهيزات والمواد المطلوبة للتعليم الرقمي، تميل في المتوسط إلى أن تكون مساوية لرسوم التعليم التقليدي جزئياً، على الأقل لأن الكثير من المؤسسات تجمع بين التعليم الافتراضي والتواجد الفعلي في الحرم الجامعي».

 

تنفيذ مشاريع التعليم الإلكتروني، عادة ما يتأثر بعوامل عدة، أهمها:

 

هذا الأمر، تتشارك فيه الشركات المنفذة للبنية التحتية، أو الشركات المنتجة للبرمجيات، وللأسف فإن هذا المسلك تتبناه معظم الشركات العربية إذا لم يكن كلها، ويرجع ذلك إلى غياب السياسية التسويقية الجيدة التي تتمتع بها الشركات الأجنبية، فحينما نجد برنامجاً أو تطبيقاً من إنتاج شركة عربية تتجاوز تكلفته المائة ألف درهم، نجد نفس التطبيق ونفس البرنامج من إنتاج شركة أجنبية، لا يتجاوز الخمسمائة دولار، أي ما يقل عن الألفي درهم، مع فارق الجودة في المنتج والدعم الفني له، والتطوير والإصدارات المتعددة لصالح المنتج الأجنبي.

خبرة شركات التقنية في المجال التعليمي تبدو ضئيلة جداً، فهي لا تستطيع تقدير احتياجات المؤسسات التعليمية، وأيضاً المؤسسات التعليمية ليس لديها الخبرة الكافية في المجال التقني لكي تحدد احتياجاتها بنفسها، وبالتالي تلجأ الشركات إلى التعامل معها عند تنفيذ المشاريع - لا سيما مشاريع البنية التحتية - كما تتعامل مع المصانع والبنوك والوزارات، فتثقل كاهل المؤسسات التعليمية بتكاليف باهظة مقابل تجهيزات قد لا تحتاج المؤسسات التعليمية إليها.

تلك المؤسسات لا تستطيع البحث عن البدائل أو تحديد ما هو الأنسب، وغالباً ما تعتمد على نظرية الأغلى هو الأفضل والأجود دون دراسة وتحليل لمقدار هذه الأفضلية والجودة، كما أنها تعتمد على الأسعار المحلية فقط عند مقارنة المنتجات دون النظر إلى قيمتها في الأسواق العالمية، وعلى سبيل المثال: عند شراء أجهزة حاسب آلي من شركة ما، على المؤسسة التعليمية أن تقارن الأسعار المقدمة لها مع الأسعار المحلية وكذلك مع الأسعار العالمية للسلعة، والتأكد في ما إذا كانت الشركة الأم تقدم أسعار أكاديمية أم لا.

المقصود بذلك أن تلجأ المؤسسة إلى الاتفاق مع شركة تقنية لتصميم برنامج ما أو تطبيق، مما يعني تحملها تكاليفه بالكامل، بينما شراء البرامج الجاهزة غالباً ما يكون أقل تكلفة. ويمكن أن يدخل في هذا المعنى أيضاً قيام بعض المؤسسات التعليمية بتوظيف كادر تقني يقوم بإنتاج هذه البرامج.

وبتدقيق محاسبي بسيط ستجد نفسها تنفق أضعاف ما كانت ستنفقه في شراء البرامج الجاهزة، ناهيك عن التبعات الإدارية الأخرى التي تتبع تعيين أي موظف في المؤسسة التعليمية. وليس شرطاً أن تلبي النظم والتطبيقات الجاهزة احتياجات المؤسسات التعليمية مائة بالمائة، بل يمكن التنازل عن بعض المزايا مقابل تخفيض التكاليف لا سيما المزايا التي لا تستخدم إلا بشكل ضئيل.

فبينما نجد في الدول الأجنبية دعماً لا محدود للمؤسسات التعليمية يتمثل في منح خصومات، قد تصل إلى تسعين في المائة من قيمة المنتج - كما هو الحال مع شركة مايكروسوفت - نجد الشركات العربية لا تقدم أي دعم يذكر، وكأنها في غياب تام عن دورها في صناعة الأجيال.

إن كان هذا فهو شيء محمود، ولكنه ليس شرطاً أن لا يكون للمؤسسة التعليمية نصيب من التعليم الإلكتروني، إلا إذا وفرت كافة الإمكانات التي توفرها المدارس الكبرى، والتي تملك من الإمكانات المادية ما يمكنها من التوسع في هذا المجال، ولو رجعنا إلى تعريف التعليم الإلكتروني، نجد أن باستطاعة كل مؤسسة أن تأخذ منه بقدر ما تتيحه لها ميزانيتها، ومسافة الألف ميل تبدأ بخطوة.