في كل يوم، تشكو علاقة ولي الأمر بالطالب من اتساع في الهوة بين الطرفين، نتيجة عوامل عدة تأتي في مقدمتها إفرازات الثورة التقنية، واجتياح أدواتها لحــــياتنا من كل حدب وصـــــوب. هذا الواقع المــــرير يفرض علينا البحــث عن حلول جذرية، توقــــظ أولياء الأمور من ســـباتهــم، وتأخذهم إلى أول طريق إعادة العـــملية التـربوية إلى مسارها الصحيح، لاسيما وأن المـــدارس تشكو غياب أولياء الأمور المزمن.
فاطمة السجواني الاختصاصية النفسية في منطقة الشارقة التعليمية، قالت إن المدرسة تأتي بعد الأسرة وهي المكملة لدور البيت، وعلاقتها تكاملية وتربوية متصلة بدور الأب والأم، وهذه الحقيقة لو أدركها أولياء الأمور، لما تشكلت العديد من الظواهر والمشكلات السلبية في المدارس، لكن للأسف يبدو اليوم، أن دور ولي الأمر هامشي، سواء بتواصله مع المدارس أو في علاقته مع الأبناء في البيت، والواقع يـــختلف من أسرة إلى أخـــرى، مشيرة إلى أن هنـــاك فـــجوة حقيـــقية نشهـــدها اليوم، بين الطالب وولي الأمر، في مختلف المستويات وشتى الجوانب المعاشة، سواء الاجتماعية أو الفكرية أو المعرفية أو النفسية وسواها.
حوارات مفقودة
وأضافت السجواني إن العلاقة بين الطالب وذويه، تبدو مادية بامتياز، إذ أصبح بعض الطلبة يتواصلون مــع أولياء أمورهم عند الحاجة إلى المادة وحسب، بيــنما تظل الحوارات الأسرية شبه مفقودة، لافتة إلى أن أحد أولياء الأمور جاء إليها يشكو بناته نتيجة عدم تواصلهن معه إلا عند الحاجة إلى المال وتلك حالة متكررة. إذ يتضح من خلال مـــتابعة واقع أولياء الأمور اليوم، أن الكثير منــهم يحرص على رعاية الأبــــناء من حـــيث المأكل والمشرب والمصروف، أما الحاجات الأسرية والنفسية الأخرى فلا يعيرونها أهمية في نهجهم الاجتماعي.
وعزت السجـــواني سبب تراجع دور ولي الأمر الــــيوم، إلى الانشـغال الـــدائم بالعـــمل أو التجارة، وكذلك الأم التي تجتهد في عملها وحياتها المادية، فالجميع يلهث خلف الأعمال لتوفير الـحياة الكريمة ورغد العــيش للأبناء، ويتجاهلون المطلب الأساسي، وهو تواجدهم الجسدي والعقـــــلي بالقرب من أبنائهم، ناهيك عن اتكالية الكثـير من الأمهات على الخدم، في تلبية احتياجات بناتهن..
مؤكدة أن العملية التربوية تبدو أكثر صعوبة بالمقارنة مع الأمس، نظراً للانفتاح التكنولوجي، حيث تجد أفراد الأسرة يعيشون في بيت واحد تحت سقف واحد، لكن التواصل شبه معدوم، لانشغال كل منهم بالأجهزة الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.
منسوب العاطفة
ولفتت السجواني إلى ان المشاهد والصور المثالية لتعامل أولياء الأمور مع أبنائهم تكاد تكون شبه معدومة، فولي الأمر يستحيل أن يفـــتح الباب ويجد أبنـاءه يـــضمونه بحـــرارة كما كان الواقع في الأمـس، ومــنسوب العاطــــفة قلّ نسبياً عن السابق، ولا يزال في هبوط.
ووصفت علاقة بعض أولياء الأمور بأبنائهم بـ«التبلد العاطفي»، نظراً لاتساع الفجوة بين الطرفين، وقالت إن الخطوة الأولى للعلاج تتمثل في تنظيم حوارات بين أفراد الأسرة مكتملة، يشترط فيها التجرد من جميع أدوات التواصل الاجتماعي وأجهزة الاتصال الحديثة، وفتح الأبواب المغلقة بين ولي الأمر وأبنائه، وإذا اعتاد الأبناء هذا الأسلوب المقنن منذ الصغر، حتماً سنشاهد النتائج أكثر إيجابية وهو ما يساهم في تشكيل شخصية الطالب أو الطفل على النحو الأفضل. وهنا يجب على ولي الأمر أن يتصف بشخصية تربوية ممزوجة بين العطف واللين.
