من جانب أهل التربية والتعليم؛ الإدارات المدرسية والمعلمين وأولياء الأمور وذوي الاختصاص اجتماعياً، نجد الكثير من المفارقات في واقع العلاقة بين الطالب والمعلم والمدرسة. وفي البداية تقول منى عبدالله المهيري مديرة مدرسة العوير للبنات، إن طلبة اليوم متعلقون بشدة بعالم التقنية، وقد أصبح بحوزتهم مختلف الأدوات الذكية، وأمام هذا الواقع صار لزاماً على المدارس أن تحافظ على إرثها التربوي «الكتاب»، في وقت تأثرت فيه شخصيات الأطفال والمراهقين، بعد أن أصبحوا أكثر انفتاحاً على عالم خاص بهم.

 شعور بالنقص

المهيري أشارت إلى وجود فجوة نسبية بين الطلبة والعملية التربوية والتعليمية، تتمثل في ابتعاد الطلبة عن التركيز في الكتب والمناهج المقررة، وضعف دافعية التعلم لديهم، وهو ما يفرض مزيداً من الجهود الذكية من المدارس كافة، لافتة إلى أنه ومهما قدمت المعلمات وابتكرت المدارس في أساليب التدريس، تشعر دائماً بوجود نقص في هذا الجانب، إذ أن العالم الجديد الذي يعيش في وسطه الصغار، مفتوح على فضاءات كثيرة، وواسع إلى حد يفوق التصور.

أما أحمد شوقي معلم لغة عربية في مدرسة خاصة، فأكد أن معظم الطلبة اليوم يضعون أنفسهم في «عزلة تربوية وتعليمية» يشعر بها المعلمون، وبالتالي فهم معرضون لفتور الفائدة المرجوة، ولكن تستطيع الأسرة والمدرسة والمؤسسات في كل مكان، تنمية القدرات والمهارات، والعادات الحديثة على حياة الطلبة، وكسر حاجز الخصوصية بينهم وبين القائمين على عملية التدريس رغم ما تسببه التقنية الذكية وماديات الحياة أحياناً من عثرات في هذا الجانب.

متصل ومتشابك

وأضاف: يجب إحداث طفرة في مختلف الأساليب التربوية والمنظومة التعليمية للقضاء على تلك الظاهرة التي باتت تضعف العملية التعليمية التي تقوم في المقام الأول على العلاقة الحميمة بين الطلبة والمعلمين والإدارة المدرسية، خصوصاً وأن الجيل الحالي «المتصل إلكترونياً» و«المتشابك اجتماعياً»، قد ظهرت أمامه محفزات جديدة تختلف عن تلك التي كانت تحفز الأجيال السابقة، فالمراهقون اليوم يرغبون بطرح الكثير من الأسئلة، لكن للأسف؛ تجد معلمين يحاولون البعد عن تلك الأسئلة، لأنهم يريدون الخوض فقط في المنهج مباشرة، دون التطرق إلى أسئلة ومواضيع حياتية خارج المقرر.

أحمد البدواوي ولي أمر، أكد أن أدوات التقنية والماديات التي يعيشها الأبناء اليوم، وسعت الفجوة بين طرفي العملية التعليمية من جهة، وتركت النش في حالة من العزلة والانطواء الذاتي.

كما أن تعامل بعض أولياء الأمور ونظرتهم إلى المدرسة، زاد من المشكلة تعقيداً، مشيراً إلى أنه يرتضي لأبنائه واقعاً تربوياً كما كان في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، ولذلك فهو يزور مدرسة أبنائه باستمرار، ويخبر المعلمين بأنه لا يمانع من ضرب ابنه إن أخطأ، لأنه يجد في هذا الأسلوب التربوي فائدة كبيرة، قد عايشها شخصياً في سنوات ماضية.

 طلبة منسحبون

الدكتور أحمد فلاح العموش عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الشارقة، يلاحظ أن لدى الأبناء اليوم نوعاً من الانسحابية من الحياة والمدرسة بشكل خاص، وأصبح الطالب عازفاً عن التفاعل والتواصل المدرسي والصفي، والسبب انشغاله بأنشطة روتينية عبر شبكات التواصل والمجتمعات الافتراضية، وهذه الممارسات أصبحت تنافس حضور الطالب الفعلي.

وفي جانب متصل أضاف العموش، إن المدرسين الأصغر سناً ربما يكونون أقرب إلى فهم هذا الجيل المنغمس في عالم افتراضي، وهنا متغير العمر يلعب دوراً مهماً، مشيراً إلى أن المعلم القريب من تفكير الطلبة حياتياً، يمكن أن يحدث اختراقاً من باب التأثير الإيجابي في شخصياتهم، خاصة وأنه يحاكي ثقافة الطالب واهتماماته المختلفة عما كانت عليه في عصر التعليم التقليدي.

ومن المهم هنا بحسب الدكتور العموش، ألا نقلل من قدر الطالب، لاسيما الأطفال الصغار الذين يمتلكون مهارات عليا في التعامل مع التقنية والأجهزة الذكية، وهذا المضمار من وجهة نظر الأبناء، هو المعيار الحقيقي للواقع الثقافي والمعرفي في الحياة، لذلك لا بد من الصعود إلى ثقافة الطالب تلك، لتحقيق الأهداف التربوية والتعليمية المنشودة في هذا الحقل.