نعم؛ ما زال بمقدور المدارس والمؤسسات التربوية المختلفة، البيت واحد منها بالطبع، إعادة العلاقة إلى سابق عهدها وأفضل، بين النشء والتراث وملامح ماضينا التي رضعنا منها كل السمات الجميلة في حياتنا. ذلك ليس صعباً طالما أن جيل اليوم يبدو تواقاً للتعلق بما ميَّز الآباء والأجداد في الزمن الأولي، وفي ظل ما يتوفر لدى المدارس والأسر من إمكانيات كثيرة، تتيح لها المجال للغوص في ماضٍ عريق، لابد وأن يظل منتشياً في النفوس، وإن كنا في عصر السرعة؛ بل السرعة الفائقة.
كلنا ندرك حقيقة «من لا ماضي له، ليس له حاضر»، المقولة الشهيرة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، بل الرسالة بالغة الأهمية الموجهة إلى المجتمع وأفراده، للمحافظة على التراث، باعتباره جزءاً مهماً من هويتنا الوطنية، التي باتت تحت تهديد «العصرنة والحداثة» وسواها من المفاهيم المتصلة بالتطور السلبي، الذي حث النشء على التخلي عن بعض العادات والتقاليد، مثل ارتداء «الكندورة» أو «الغترة»، وقد يتجاوز الأمر هذا الحد بكثير.
مريم الشحي الرئيسة الفخرية للجنة النسائية في جمعية «شمل» للتراث، قالت إن التراث نوعان: مادي ومعنوي، والتراث المادي يتمثل في المتاحف المتوفرة والمهرجانات التراثية والجمعيات التراثية ونحو ذلك، لكننا نفتقد التراث المعنوي، الذي تجسده العادات والتقاليد الأصيلة، واحترام الصغير للكبير وآداب الحديث، مشيرة إلى أننا أصبحنا مجتمعاً تقنياً بحتاً أمام غزو وسطوة التكنولوجيا والحداثة وسواها، ويبدو ذلك واضحاً عند مقابلة الأطفال وانشغالهم مع أجهزة الهواتف الذكية.
وأشارت الشحي إلى أننا في المدارس لا نبحث عن ركن أو مساحة مخصصة لعرض أدوات تراثية، بل نحن بحاجة إلى غرس قيم أصيلة في نفوس أبنائنا، متصلة بالموروث الإماراتي، وتعليمهم الدروس الصحيحة لمفهوم التراث الذي يستمد أسسه وأركانه من ديننا الإسلامي الحنيف، من خلال الحث على صلة الأرحام وزيارة الجار واحترام الكبير والعطف على الصغير، وغيرها الكثير من الدروس التي يحتاجها أبناؤنا اليوم في خضم العولمة.
ولفتت إلى أننا بحاجة إلى تدريس التراث ضمن مناهجنا، وهناك مطالبات وأصوات لتضمين المنهاج الدراسي بمادة أو كتاب بعنوان «السنع الإماراتي»، خاصة في ظل الصدمات التي نتلقاها عند لقاء بعض الطلبة، وعلى سبيل المثال، عند سؤال الطالبات عن طريقة تقديم فنجان القهوة للضيوف، نفاجأ برد بعضهن السلبي في التعامل مع الدلة، معتبرات أن هذه المهمة موكلة للخادمات، والواقع يؤكد أن بعض الطلبة يجهلون الكثير من الحقائق والأفكار عن العادات والتقاليد.
وعزت السبب الرئيسي لحالة الجهل لدى بعض الطلبة عن التراث، إلى غياب دور الأسرة في تثقيف الأبناء في هذا الجانب، ومن ثم يقع اللوم على المدرسة إذا كانت متقاعسة وغير مجتهدة في تعزيز الهوية الوطنية عبر إعداد برامج وأنشطة فاعلة في هذا الصدد، وخلق بيئة سلوكية تجمع بين الماضي العريق وتواكب العصر بأسلوبها المبتكر.
المجالس مدارس
استناداً إلى الحكمة أو المقولة الشهيرة «المجالس مدارس»، أكدت مريم الشحي بصفتها خبيرة في مجال «السنع» الإماراتي، أن المدرسة الأولى للأبناء البيت وما ينتمي إليه من مجالس وخلافها، وأشارت إلى أن المجالس الآن تفتقر إلى حضور الأبناء مقارنة بالماضي، مفيدة بأن مجالس الكبار خير مكان لتعلم الأبناء دروس الحياة وما يوازيها من عادات وتقاليد يستقونها من رواد المجلس، ما يحث الأبناء على التمسك بالتراث والمحافظة عليه من الاندثار، خصوصاً وأن العادات والتقاليد تبدو حاضرة بقوة في المجلس مثل كيفية احتساء القهوة أو نفض الفنجان للشخص الذي يمسك الدلة.
