التربية السليمة للأبناء أحد أهم مقاصد وأهداف الميدان التربوي، فهي معادلة صعبة تتقاطع عندها الأهداف، وتتوحد فيها الأركان والعناصر المكونة لها. وهي ركيزة يُعوّل عليها في بناء جيل تغلفه مفردات المسؤولية والاتزان والثقة في النفس، لكونها تستأثر بأهمية خاصة من جهة وضع لبنة ترسخ قيماً نبيلة نسعى لتأصيلها في نفوس أبنائنا الطلبة.

ومن باب المفاضلة فهي مقدمة على التعليم. فإن صلح الطالب صلحت معه العملية التعليمية برمتها. رغم ذلك فإن هذه القضية الشائكة، يطالها الكثير من اللغط، إذ يطلق أولياء الأمور مسوغات مختلفة حولها، فبعضهم يعتبر التربية شكلاً من الدلال المفرط وما يتطلبه من تلبية لطلبات ورغبات الأبناء مهما كانت، في حين يراها آخرون من منظور مختلف قائم على الاعتدال وعدم الإفراط، ويتعامل معها البعض من زاوية أخرى قوامها الشدة والحزم في العلاقة مع الأبناء.

في هذا الملف نستعرض آراء الميدان التربوي، ونقف على الصورة المرسومة في أذهان الطلبة وأولياء الأمور، عبر مجموعة من التساؤلات التي تدور في فلك التربية السليمة، التي إذا لم يتم تداركها، ووضع الأمور في نصابها الصحيح، فإنها ستعصف حتماً بمستقبل الأجيال، والمعضلة تتمحور في سؤالين يطرحان نفسيهما بقوة عن ماهية الأسلوب الأنجع في التربية؟ وهل الدلال المفرط للأبناء الذي يجافي المنطق والحكمة يعد كبوة تقود إلى الفشل الذريع دراسياً، وإفساد الأبناء، وتخبطهم مستقبلاً؟

يوسف محمد المزروعي مدير مدرسة سيف بن حمد الشرقي في منطقة الفجيرة التعليمية، اعتبر أن الدلال المفرط وتلبية رغبات الأبناء مهما كانت، يؤديان بالضرورة إلى طي أحلام الطفل، والحد من قدرته نحو تحقيق أي طموح يتملكه، لأن كل ما يشتهيه يصبح بين يديه، وساعتها لن يشعر بقيمة الأشياء، كونه لم يجتهد للحصول عليها، واصفاً ذلك بالعطاء المجروح.

 الإفراط يفسد

وأضاف المزروعي: الدلال المفرط يفسد مستقبل الطفل، ويجعله أنانياً، ويتملك الطفل فيما بعد حب السيطرة على كل من حوله، كما أنه يقلص بدرجات كبيرة فرص اكتمال إرادة الطفل، وفي الوقت ذاته فإن الشدة ليست هي الحل أو الضمان الأمثل لنشأة هؤلاء الأطفال نشأة سليمة. فخير الأمور أوسطها، ناهيك عن أن الاهتمام بأحد الأبناء وإهمال الآخرين يولد في نفوسهم مشاعر الكراهية والحقد.

واستطرد: يتمخض عن الطفل المدلل مشاعر وسمات سلبية تتمثل في حب السيطرة على إخوته والعنف في تصرفاته معهم، لإحساسه بالتميز عنهم، فضلاً عن أنه ينمي لديه الشعور بالوحدة والانطواء، إذ يتشبع عاطفة زائدة مستقاة من الوالدين، إلى جانب عدم قدرة الطفل المدلل على الاعتماد على نفسه أو مواجهة متاعب ومصاعب الحياة.

 شعرة الفصل

وألمح إلى أن ثمة بين الدلال والحنان شعرة تفصلهما، فحينما نمنع بعض الحاجات عن الطفل، ليس معنى ذلك حرمانه، بل المقصود تنشئته بأسلوب صحيح، كي يخرج للمجتمع قادراً على مجابهة الحياة، إذ يجب أن نغرس فيه حب العمل والاجتهاد للحصول على مراده وتحقيق ما يرنو إليه، فليست كل الرغبات متاحة. من هنا يتعين على الآباء والأمهات العمل على تشجيع الطفل لممارسة الأنشطة الرياضية والذهنية التي تعمل على استثمار طاقته.

وشدد على ضرورة عدم التفضيل بين الأشقاء أو الإسراف في تدليلهم، والاهتمام بأحدهم على حساب الآخر، معتبراً أن الأسلوب السليم في تربية الطفل، ينبغي أن يتمثل في المنح والمنع، والشدة واللين عند الضرورة، وبحسب ما يراه الوالدان، واختيار الوقت الأمثل والأنسب لحالة دون أخرى بحسب الظرف المتاح.