ترى سلامة حمد بوشهاب مديرة مدرسة الأميرة هيا في منطقة دبي التعليمية، أن أساليب تربية الأطفال تختلف باختلاف شخصية الأهل وثقافتهم، وتمايز نظرتهم وفهمهم لمعنى دلال الأبناء، فالدلال سيف ذو حدين قد يكون إيجابياً أو العكس.

وتابعت: الدلال الإيجابي هو التعاطف مع مشاعر الطفل وتحسس مشاكله ومعاناته، بالإضافة إلى مساعدته على تخطي الصعاب بحكمة واستخدام أسلوب الحوار والإقناع والتخطيط بتروٍ للوصول إلى الهدف المنشود. أما الدلال المفرط فهو يؤثر سلباً على المستوى التحصيلي والاهتمام بالتعليم، وبالتالي نحصل على مخرجات تعليمية غير ملبية للطموح.

أسرة المستقبل

وأكدت أن الدلال المفرط يؤدي إلى ضعف ثقة الطفل في نفسه، إذ يصبح الطفل غير قادر على اتخاذ القرارات الشخصية، وقد يدفعه ذلك للانسحاب من الحياة الاجتماعية، إذ تؤطره مفردات القلق وعدم تحمل المسؤولية والخوف، ومن ثم زعزعة قدرته على إدارة أسرة في المستقبل، وربما يجعله ذلك يلجأ إلى أي أسلوب لتحقيق أهدافه، مقتنعاً بمبدأ «الهدف يبرر الوسيلة».

وأوضحت بوشهاب أن عملية تدليل الأطفال باتت ظاهرة منتشرة لدى الكثير من الأسر، وهو أمر يؤثر في تربية الأبناء، وهو ما نلمسه في مجتمعنا، وتأثيراته السلبية التي تغلف علاقة الفرد بمحيطه في المجتمع.

 المسؤولية والحيادية

وفي السياق ذاته، علق الدكتور سعيد مطر الصريدي ولي أمر على القضية، معتبراً أن دلال الآباء للأبناء يجب أن يؤخذ من زوايا عدة، إذ إن البعض ينظر الى الموضوع بطريقة سلبية ويصبح الدلال هو المتهم. فلابد من الإمساك بالموضوع عند التعامل مع الأبناء من زاويتين أولهما المسؤولية، والثانية الحيادية، قائلاً:

من واقع مسؤوليتي كأب فإنني وبحكم ما فطرني الله عليه من حب لأسرتي وأبنائي، أسعى إلى أن أوفر لهم الحياة الكريمة، وأن ألبي احتياجاتهم وفقاً لمتطلبات الحياة، وما يستلزمه ذلك من دافع لتحفيز الاستقرار الأسري معيشياً ونفسياً، علاوة على تشجيعهم على التميز الدراسي، وهنا أتكلم عن توفير الأشياء الضرورية التي تمكنهم من ذلك، متسائلاً عن طلباتهم الكمالية؟

وبيّن الصريدي أن الشق الثاني في آلية التعامل، هو الحيادية، التي تستند إلى أن التربية في هذا الزمان أضحت أمراً شاقاً، وخير وسيلة للتعامل معها هي التوازن، بمعنى أن نمسك العصا من المنتصف، فلا دلال مفرط ولا قسوة.

 تجربة أب

وأصر على أن الحزم هو خير وسيلة في التعامل، فمن واقع عمله في المجال الشرطي، يواجه بعض الحالات لأبناء يرتكبون أفعالاً غير قانونية أو يكونون ضحية لأفعالهم ولواقعهم المعيشي.

وأرجع ذلك إلى أسباب تتعلق بالتربية، فإما تكون نتيجة للدلال المفرط أو القسوة من الآباء، مما يؤثر في النهاية على سلوك الطفل، وبالتالي على مستقبله. وهنا يجب أن نؤكد على ضرورة تكامل الأدوار بين البيت والمدرسة ومؤسسات الدولة ذات العلاقة.

عواقب وخيمة

ووصفت مريم سعيد الدهماني، ولية أمر، اتباع أسلوب الدلال في تربية الأبناء، بأنه أمر سهل وبسيط ولكن عواقبه وخيمة، ليس على الطفل فحسب، بل على كل المحيطين به، وعلى رأسهم الوالدين.

ونبهت إلى أن الدلال لا يقتصر على مرحلة عمرية محددة، وهو ليس مشكلة عرضية تزول مع الزمن، ولكنها في حقيقة الأمر مشكلة حية ذات أبعاد مستمرة في مختلف المراحل العمرية.

وأشارت إلى أن الطفل المدلل يلجأ إلى الإلحاح الشديد في الحصول على ما يريد، والرغبة المتنامية في تلبية مطالبه. وهو يمارس أشكالاً متعددة من الضغط على الوالدين لتحقيق رغباته، وهذه المشكلة تنمو مع الأبناء في المدرسة، وتزداد سوءاً في مراحل عمرية متقدمة.

وعددت الدهماني أبرز سلبيات الافراط في الدلال، بعدم قدرة الطفل على اتخاذ قراره بنفسه دون الرجوع إلى والديه، ورفض مشاركة زملائه في اللعب، والتمرد والفوضوية في التعامل، وعدم الانسياق وراء القواعد الحازمة، أو الاستجابة للتعليمات الموجهة اليه، وبالتالي يؤثر هذا على مستوى التحصيل الدراسي لديه ويفقده الرغبة في التعليم، ويصبح مفهوم الصبر لديه عقبة لا يزيلها إلا عبر الصراخ والتمرد.

سلوكيات مرفوضة

أما لطيفة حمدان الشيخ معلمة اللغة العربية في مدرسة الصفوح للتعليم الثانوي، فقالت: أيها المربي انتبه! نحن ندفع أبناءنا عنوةً ليسقطوا في شباك لا فكاك منها! فإحاطة الأبناء بهالة عظيمة من الحماية والرعاية أصبحت مشكلة مطروحة على طاولة النقاش؛ وفي وقتنا الحالي أصبح كل ما يصبو إليه الأبناء متاحاً بسهولة ويسر، وذلك الأمر أوقعنا في إشكالية بتنا نبحث عن حلولٍ ناجعة لها.

وأكدت أن تنشئة الابن في بيئة «آمر يا نظر عيني» جعلته يتسم بسلوكيات مرفوضة اجتماعياً وخلقياً، فنتج عن ذلك أن أصبح شخصاً أنانياً، قاسي الطباع، يفتقر إلى الحس بالمسؤولية، ومتبلد المشاعر والأحاسيس، لا يشاطر غيره آلامهم، لدرجة أنه لا يمكنه أن يحس في مصابهم، كيف لا وهو لم يذق أبداً طعم المعاناة والحرمان. كما أن الدلال المفرط يجعل من شخصيته اتكالية، لا تثق بنفسها وقدراتها..

ولا أعني بذلك أن نكون قاسين على أبنائنا. فخير الأمور أوسطها، إذ إن الحنان الموجّه من الحاجات الضرورية لتربية الأبناء، بهدف تنشئتهم بطريق سليمة، ناهيك عن أن الإفراط في القسوة عند التعامل معهم، كل ذلك يجعل من الابن شخصاً متحجر القلب، ناقماً على مجتمعه، هشاً من الداخل.