ثلة قليلة من المعلمين هذه الأيام، تدرك ضرورة مسك العصا باتزانٍ من وسطها، لتحقق لنفسها تقديراً هي أوْلى به، وتحفظ من خلالها المكانة التربوية والمجتمعية التي تستحقها مهنة الرسل والأنبياء، وتحافظ من خلالها على هيبة المعلم التي لطالما تغنت بها الأجيال الماضية.

هكذا يبدو الواقع حين الحديث عن حال المعلمين المترنح مادياً ومعنوياً، فيما الواجب المهني التربوي، يحتم على هذا الشخص تحديداً؛ أن يتعالى فوق المعوقات، ليسمو بعطائه، ويتميز بأدائه، ويظل الاسم الأكثر حضوراً في قاموس التربية والتعليم لسنوات طويلة، لأنه الأساس الذي يُبنى عليه، والمقدمة التي تختصر الأجيال والأمم.

«العلم اليوم» فتحت ملف الهيبة والتقدير والاحترام للمعلمين، وتوقفت عند شهادات المعلمين أنفسهم، وآراء التربويين، وتصورات الطلبة والدارسين، لتمنح القضية أفقاً تحليلياً من رؤية تشخيصية، مع وضع الحلول والنصائح والمقترحات، على طاولة المعرفة، لمن يريد أن يعرف كيف ومتى ومن أين تأتي الهيبة؟

 تقليد الأنبياء

الدكتور ماهر حطاب المدير التنفيذي في مدرسة الشروق الخاصة أوضح أن أول ما يجب على المعلم إدراكه، هو احترامه لذاته وإدراكه مسماه، فهو المربي ذو الرسالة التربوية الأسمى، لذا على المعلم أن ينظر إلى مهـــنته أنها رسالة حياة وليست وسيلة للعيش، ولو رأى أنها رسالة حياة يقلد بها الأنبياء والمرسلين، فهو بذلك سيصنع لنفسه أساساً قوياً من أسس رفعة الشأن وعلو القدر.

وأضاف: على المعلم أن يكون قنوعاً وأن يزهد بما في أيدي الناس، ولا يزهد في العلم والعطاء، الزهد مطلوب هنا في المادة، وهو ما يرفع من شأنه وقدره حينما لا يجعل للمهنة التي يمتلكها ثمناً مادياً، لأنها مهنة علم ورسالة أنبياء، وهي لطالما ظلت أكبر من كل التقدير المادي، مشيراً إلى أن كثيراً من معلمي هذه الأيام لا يقتنعون بوظيفتهم، وهنا تكمن المشكلة..

حيث تبدأ المهنة بالتدني والسقوط مجتمعياً، والنظرة المجتمعية لمهنة المعلم هي انعكاس طبيعي لما أسس له المعلم نفسه، فحينما يرى الطالب من معلمه تصرفات غير لائقة وأخطاء غير معذورة، هنا تبدأ الصورة بالاهتزاز، وتنتقل السلبية إلى المجتمع، فتصبح مهنة الرسل والأنبياء مجرد وظيفة منحدرة المستوى.

 التقدير أنثوي

بدورها؛ أكدت هدى المطوع مساعدة المديرة في مدرسة القيم النموذجية، أن مجتمع المعلمات، يبدو أفضل حالاً مما هو لدى المعلمين، من حيث الرضا الوظيفي والقيمية النفسية والمجتمعية لمهنة التدريس، لأن المعلمات بطبيعة الحال تهمهن الأمور المعنوية وملامح التقدير والاحترام، أكثر من أي شيء آخر، الأمور المادية لا تأتي في مقدمة الاهتمامات النسوية في مهنة التدريس، وهنا يكمن الفرق بين هيبة المعلمة والمعلم.

وقالت: أرى أن شخصية المعلم وقدرته على الإقناع والمواجهة والتحدي والنقد البناء، من الأسس القوية التي تحفظ للمعلم هيبته في المدرسة والمجتمع، وهنا لا بد أن يكون المعلم أهلاً للتعامل مع الآخرين، سواء الطلبة أو الزملاء، والالتزام في كل شيء دون المماطلة والتسويف، والتعاون مع الآخرين وتقديم المساعدة والنصح والإرشاد لهم، والتسامح من الأسس القوية التي تعيد للمعلم هيبته ومكانته.

الخط الأحمر

ورأت المطوع أن التقصير في جانب صون الهيبة والتقدير، مشترك بين المعلم والظروف المجتمعية، إذ إن المعلم لم يستخدم أسلوب الجذب والتشويق مع الطلبة، بالتزامن مع أسلوب العقاب والتخويف في حال تخطى الطالب الخط الأحمر، فتساهل كثير من المعلمين في تطبيق لوائح الأنظمة والسلوك داخل البيئة الصفية وخارجها، أفقد المعلم هيبته ومكانته..

بالإضافة الى الظروف التي كان لها أثر في فقدان المعلم هيبته ومكانته، وهذه الظروف ربما كان للقرارات الوزارية التي تصب في صالح الطالب، دور في تجسيدها، كما أن الجيل يختلف في زمننا هذا، إنه جيل التقنيات والتكنولوجيا والسرعة التي أثرت على شخصية الطلبة في سعيهم لإبرازها بشكل سلبي، وتحدي كل من يقف أمامهم ناصحاً ومربياً، كما أن لأولياء الأمور دوراً في غرس هيبة المعلم واحترامه في نفوس أبنائهم، وهذا ما نفتقده اليوم.