يرى كثيرون أن أيام الجامعة أكثر التصاقاً بذاكرتهم الجميلة، بما تجسده من مواقف جمــيلة بعفوية الشباب، وكثيرة بحـــكم طاقاتهم الفتية، ومتشعبة تحاكي طمــــوحاتهم الغزيرة، فكثـــــيرون يتغنون مثلاً بأيام الجامعة، ولا يعزفون على وتــــر المدرسة إلا قلــيلاً..
إنها أيام غالباً ما نتذكرها بإيجــــابية ونذكـــرها بالخير ونشتاق إلى مكان عشنا فيه خــــلالها.. هي مواقف لا تفتأ تغادر الذاكرة، تلتصق بحياتنا حتى المــمات، مواقف أمدها طويل لأنها أحدثت الـــفارق إما بعنفوانها الجمالي أو بقسوة وطأتها، أو كنتيجة حتمية لأيام الشباب، حـــيث المتعة هي الأساس الحاضــــر، ولا همَّ يطغى على نفســية صاحبها.
المدارس تترك شيئاً من ذلك الأثر الجميل أو السلبي في النفس، ولكن بحدة متفاوتة من شخص إلى آخر، ومرتبطة كما يبدو بمتغيرين اثنين، الأول: الجنس ذكر أو أنثى، والثاني المحيط المادي والاجتماعي. وكما تحكي التجارب فإن للمرأة علاقة إيجابية أكثر اتصالاً بمدرستها، إذ تجدها تنسج في طفولتها مواقف كثيرة وتحفظها في ذاكرتها لسنوات طويلة، بينما يجد الرجل نفسه في أيام الجامعة بشكل أكبر، أيام المرح والترفيه والتجارب، ومعها تظل ذكرياته الجميلة أو القاســـية محفورة لسنوات في الذاكرة.
قيود ولوائح
القضية مرتبــــطة أيضاً بقــيود المدرسة ولوائـــح الانضباط فيها، والمعاملة في إطار مبدأ الوقت والدقائق، وهو ما لا يقوى على تحمله الرجل، بيــنما قد تطيقه المرأة، مـــن وجهــة نظر متخـــــصصة ترجح كفة تعلــق المرأة بأيام المدرسة على الرجل والعكس بالنسبة لأيام الجامعة، لاســيــــما وأن أيام المدرسة تتفوق في المدة بثلاثة أضعاف عن الجامعة..
وذلك أمر مبرر نسبة إلى مدى تقبل الفــتاة للضوابط والتوجيهات، وانزعاج الفتى من هذه الملامح التي تكثر في المدرسة، وتقل في الجامعة كما يؤكد الاختصاصي الاجتماعي أحمد رشيد، مضيفاً إن الفتاة تربط ذاكرتها بأيام طفولية أكثر من الشاب، وتلك حالة مؤكدة اجتماعياً.
الموقف المعاش
أما أحمد عيد موجه أول الرعاية النفسية بوزارة التربية والتعليم، فيؤكد أن الذكريات تتساوى في أي مرحلة من مراحل العيش، وما يجعلها تخرج إلى السطح الموقف المعاش لكل شخص، فحينما يلتقي أحدنا بصديق له من أيام المدرسة، ستطغى ذكريات المدرسة الجميلة على تفكيره، وحينما تكون الجلسة شبابية ولسانها أيام الجامعة، فلا بد أن تكون الذكريات جامعية، والحديث ينبش تلك الذكريات فيجعلها تخرج إلى الحياة من جديد.
وأكد أن مرحلة الجامعة ونتيجة لكونها توافق مرحلة نضوج الشخص ربما تجدها أقرب إلى التذكر لدى شريحة الشباب أو الرجال دون سن الهرم، ذلك لأن هذه المرحلة ربما تكون أكثر نشاطاً في الذاكرة نتيجة الحيوية التي تلازمها في العمر، خلافاً لسنوات العمل بعد الجامعة، وحتى لأيام المدرسة نسبياً، وهو ما يبرر إلى حد ما شعور الشخص بالحنين أكثر إلى أيام الجامعة من تذكره الجميل لأيام المدرسة، فالأمر مرتبط بالإدراك هنا.
الروتين يُنسى
وقال الأخصائي النفسي إن الروتين اليومي للحياة يُنسى بينما تبقى المواقف المؤثرة، بغض النظر كانت سلبية أو إيجابية، وهذه المواقف التي نتذكرها من أيام المدرسة أو الجامعة هي علامات فارقة من حياتنا، وكلما كانت المرحلة أكثر تردداً ومحادثة، أصبحت مواقفها أكثر تذكراً وجمالاً في النفس.
وتحدث عيد عن ذاكرة بعيدة المدى يتحلى بها كبار السن على وجه الخصوص، إذ تجد أن كبير السن يســــرف في الحديث عن «أيام زمان»، لدرجة تشعرك أنه أصبح خرفاً، ولكن الواقع خلاف ذلك، فالكبير يجد في ذاكرته ما حدث منذ سنوات بعيدة، ومن الصعب جداً أن يتذكر المستجدات.
