بين المدارس الخاصة والحكومية، تختلف جهود الدفع باللغة العربية لدى طلبتنا، فالتحدي لا يزال كبيراً، والجميع يتداول أن ثمة قصوراً في مدارس خاصة إزاء لغتنا الأم، بتركيزها على اللغة الإنجليزية ومواد محددة قليلة على حساب مواد أساسية أخرى طالها التقصير مثل التربية الإسلامية والتربية الوطنية فضلاً عن اللغة العربية التي تظل دوماً حديث الساعة.
ما سلف ذكره من مواد، يندرج بشكل عام تحت مظلة «التربية» التي تسبق التعليم المتمثل فيها وفي المواد العلمية الأخرى، باعتبار هذه المواد، مناهج أساسية مرتبطة بالهوية والدين والمجتمع.. يا ترى ما هو مسار تعليم هذه المواد في المدارس الحكومية.. وكيف تكون صيغة التعليم كذلك في المدارس الخاصة.. وما هو موقع طلبتنا في بحر «إن وكان وأخواتها»؟!.
الدكتور إياد عبدالمجيد أستاذ اللغة العربية، يؤمن بأن المدارس الخاصة تعاني ضعفاً عاماً في مخرجات اللغة العربية، عازياً السبب إلى اهتمام «الخاصة» بالربح والمادة على حساب التعليم، والواقع على حد تعبيره يؤكد هذه الحقيقة. وهو يذكر أن طالبة جامعية لديه كانت متفاعلة جداً في المحاضرة.
وعند أداء الامتحان التحريري فوجئ أنها عاجزة عن الكتابة على ورقة الإجابة، ولدى تحري السبب أجابت أنها تلقت تعليمها في مدرسة خاصة لم تهتم بمستوى اللغة العربية لدى الطلبة، وكانت فقط تكتفي بترفيع الطالبات في المادة تلقائياً، مما جعلها تواجه صعوبة في الكتابة.
سبب رئيسي
وثمة سبب رئيسي في اعتقاده ساهم في تحجيم اللغة العربية، وهو أن سوق العمل يبحث عن اللغة الإنجليزية ولا يهتم بلغة الضاد، والدليل أن شرط الحصول على شهادة «التوفل» أو «الآيلتس» في اللغة الإنجليزية يقع في مقدمة شروط الحصول على الوظيفة.
وفي المقابل لا نجد أي شرط آخر يتعلق باللغة العربية، فلماذا لا تكون هناك شهادة دولية في اللغة العربية شرطاً أساسياً للحصول على الوظيفة؟! ولماذا لا تضع جهات العمل في بنودها شرط الحصول على هذه الشهادة أسوة بشهادات اللغة الإنجليزية الدولية التي يتهافت الجميع على تعلمها؟!
وعن موقع معلم اللغة العربية بين المعلمين الآخرين، يلاحظ الدكتور عبدالمجيد أنه تراجع نسبياً مقارنة بمعلمي المواد الأخرى، مضيفاً إنه كان شارك في إحدى الندوات الخاصة باللغة العربية، ومن ضمن الحضور إحدى معلمات اللغة العربية، التي أبدت استياءها من تعامل إدارة المدرسة معها على أنها من الدرجة العاشرة، وفي المقابل حظيت معلمة اللغة الإنجليزية على نصيب الأسد من اهتمام الإدارة، وكذلك معلمة الحاسوب التي احتلت الصدارة في المكانة بين المعلمات.
واقع مؤلم
خلل لغوي كبير يرصده عبدالمجيد في بعض المخرجات الطلابية، وبمجرد نظرة فاحصة لمستويات الطلبة، يكتشف أن ثمة طلبة في تخصص القانون وبعض التخصصات الأخرى لا يدركون معنى مفردات عربية في غاية السهولة ويفتقرون إلى أسس اللغة، وآخرون لا يفقهون معنى الشعر، لذلك يجب أن تحدث نقلة نوعية لتغيير هذا الواقع المؤلم.
وإيجاد حلول جذرية لحماية اللغة العربية من عوامل التعرية القادمة بفعل العولمة، ولتحقيق هذا الهدف يجب التركيز أولاً على إيقاع تعليم اللغة في مدارس الحلقات الدراسية الأولى. ودعا إلى إعادة تجديد مناهج اللغة العربية بما يساير العقول، وبأن لا يكون تعليم النحو والصرف في قوالب جامدة تنفر المتلقي وتوسع الفجوات مع اللغة.
وتؤجج الكراهية إلى ما بعد المدرسة، إذ يعاني قسم اللغة العربية في كلية التربية من عزوف الخريجين عن هذا التخصص، إذ بلغ عدد الراغبين في هذا التخصص في إحدى الجامعات 12 طالبة فقط، مع إعراض تام من الطلاب الذكور.
مطعم ومعلم
في حديثه عن معلمي اللغة العربية، قال الدكتور إياد عبدالمجيد أستاذ اللغة العربية، إن بعض المؤسسات تعاني ضيقاً في الحصول على الكفاءات المهنية، فقد التقى شخصياً بخريج لغة عربية يعمل في مطعم، وكان كثيراً ما يتجاذب أطراف الحديث معه في شؤون اللغة، وفوجئ في وقت لاحق باتصال من هذا العامل يفيد بأنه قد حصل على فرصة لتدريس طلبة المرحلة الإعدادية في إحدى المدارس الخاصة.
وكان كثيراً ما يتصل به للاستفسار عن بعض الأسئلة التي لا يجد لها مخرجاً، وقد فوجئ ذات مرة بأسئلة من اختصاص طلبة الجامعة، وعندما تقصى الأمر، اتضح أن هذا العامل كان يقدم دروساً خصوصية لطلبة جامعيين، وهو بالأساس لا يصلح للتدريس حتى في مرحلة ابتدائية نتيجة مستواه الضعيف.
