تباينت وجهات نظر التربويين حول تعليم الأمس واليوم، وإن طغت على آراء أكثرهم ملامح الانحياز إلى ماضٍ تعليمي ظل يفتقر في مضمونه إلى مختلف الأسباب العصرية وشتى ملامح الانشغال بماديات الحياة الحديثة، وهي ذاتها الأسباب التي أضعفت واقع التعليم لدى الطلبة وأولياء الأمور والإدارات والمعلمين.
خالد عبيد السويدي مشرف إداري في مدرسة حكومية، يرى أن التعليم في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي حظي بواقع أفضل من قبل كافة أطراف العلمية التعليمية، فالطالب كان يبدي رغبة شديدة في التعلم وولي الأمر «الأمي» آنذاك ظل يصر على توفير أفضل مراتب التعليم لأبنائه، في حين أن مدير المدرسة والمعلمين كانوا الأوفر حظاً في جوانب الاحترام والتقدير والهيبة المعنوية والمادية، فرواتبهم آنذاك كانت تضاهي رواتب كبار المسؤولين في مواقع أخرى، أما اليوم فهي لا توازي راتب طالب لم يكمل دراسته الثانوية على حد تعبير خالد.
ولكونه كان طالباً في تلك الفترة يضيف السويدي أنه كما بقية الطلبة كان يذهب إلى المدرسة كل يوم بروح إيجابية مفعمة بالولاء والمحبة، حيث الوجبات المجانية المتكاملة إلى جانب قطع الحلوى والفواكه وحتى الملابس الرياضية، ناهيك عن حرص أولياء الأمور على متابعة أبنائهم والسؤال عنهم في المدرسة، أما اليوم فتجد الطالب يسير إلى مدرسته بلا هدف أو تحديد للمستقبل الذي يرتضيه، وهو لا يبالي حتى أثناء الحصة.
ذلك الرأي سانده عبدالغفور يوسف وكيل مدرسة ثانوية في دبي، الذي يوضح بأن لامبالاة الطلبة وصلت إلى حدود غير منطقية، ناهيك عن عشوائية تخطيطهم وعدم وجود أهداف يرسمونها للمستقبل وهروبهم إلى الأسهل دوماً، ففي السابق كان عدد الطلبة في القسمين العلمي والأدبي متساوياً في المتوسط العام، أما اليوم ففي مدرسته على سبيل المثال يوجد 27 طالباً في القسم العلمي مقابل 88 في الأدبي، والسبب ربما يكمن في عشوائية الاختيار لدى الطالب أو عدم تحديده لرؤيته المستقبلية.
سمير القدرة معلم عايش التعليم في دولة الإمارات منذ بداية الاتحاد، يؤكد هو الآخر أن التعليم ولغاية العقد الأخير من القرن الماضي كان أقرب إلى النفوس، والسبب يعود إلى اهتمام الطلبة آنذاك بالتحصيل العلمي وبذل المزيد من الجهد والمذاكرة والالتزام للوصول إلى درجات أفضل.
إضافة إلى ذلك فقد انتشرت في الفترة القريبة العديد من الجامعات التي تقبل طلبة بمعدلات أقل وتمنح «شهادات سهلة»، وهو ما يلغي فكرة الاجتهاد نسبياً من مخيلة البعض، لافتاً إلى أن عصر التقنية ألقى بسلبيات على الطلبة مثلما منحهم إيجابيات تعليمية، ناهيك عن أن المعلم كان يتمتع في الماضي بصلاحيات أوفر حظاً وبالتالي يسهم بشكل مباشر في حفظ هيبة التعليم أما اليوم فهو مجرد من صلاحيات كثيرة ثواباً كانت أو عقاباً.
أما صابر حميدان وهو واحد من أقدم المعلمين في مسيرة التعليم بدولة الإمارات، فيرى أن المعلم في السابق ورغم شح الإمكانيات والموارد كان يقرأ ويتابع ويغذي طلبته بكل ما يجده إيجابياً، فظل مربياً وقدوة أمام الجميع.. ينتمي إلى مهنته، يحبها ويبذل كل ما بوسعه من أجل طلابه، والمجتمع يحترمه ويقدره ويشعره بمكانته الاجتماعية وقيمته في تربية الأجيال.
ويضيف أن مصادر المعرفة تعددت هذه الأيام، فالتقنيات غزت البيوت، وأصبح العالم بين يدي الطالب الذي لم يعد يعتمد على معلمه، وتغيرت أيضاً نظرة المجتمع للمعلم وبالتالي لم يعد المعلم يشعر بمكانته وقيمته الاجتماعية، وقد تكالبت عليه متغيرات عديدة وشغلته الدنيا بشظف العيش، مؤكداً أن عصر تفجر المعرفة وتوفر الوسائل التعليمية الحديثة وتعدد طرق التدريس، كل تلك المؤثرات تركت المعلم يصارع البقاء في بيئة لا ولن تظل إيجابية إلا بالمعلم.
خلاف ذلك تماماً ترى نورة سيف المهيري مديرة مدرسة أم سقيم للبنات، أن الواقع بما يشهده من تطورات متلاحقة في حقل التربية والتعليم فهو حتماً ينعكس بالإيجاب على مسيرة الطلبة ومستقبلهم المهني، مشيرة إلى أن تعليم الإمارات وبعد أن كان فقيراً في جوانب كثيرة في السابق أصبح اليوم مواكباً لأفضل المعايير العالمية، وذلك استناداً إلى تخطيط تربوي من أعلى سلم الهرم القيادي وحتى المعلم الذي يجتهد كل يوم.
وتؤكد أن التعليم في الإمارات تطور على مدى فترات متلاحقة وسار من أحسن إلى أفضل، ففي السابق لم يكن في المدرسة مجرد كمبيوتر، واليوم تزخر مدارسنا بوسائل التقنية، وقد أصبح التعليم يسير باتجاه شعار «تعليم بلا حدود» بعد أن ظل تقليدياً وفي حدود منطق واحد..
مشيرة إلى أنها ترى مردوداً إيجابياً للتطور والحياة العصرية وقد انعكس ذلك على التعليم، فهي في مدرسة للبنات معلماتها مواطنات وطالباتها ملتزمات نحو المستقبل، وقد يكون الأمر مختلفاً في مدارس الذكور نظراً لكون الطالب في فترة المراهقة ينجذب أكثر للحداثة والانشغال بالماديات على حساب التعليم، ناهيك عن قلة عدد المعلمين المواطنين على عكس مدارس الإناث، وهو ما يسهم ربما في حالة تمرد لا شعورية لدى الطالب، كما تقول.
