في كتابه «الثورات العربية.. المثقفون والسلطة والشعب»، الصادر حديثاً عن دار العين للنشر، يحاول الناقد فخري صالح تشريح العلاقة التي تربط المثقفين بالسلطة من جهة، والشعوب من جهة أخرى.
وهو عبارة عن سلسلة من المقالات التي تحتفي بخروج مارد الشعوب من قمقمه، رغم التراجعات والانتكاسات التي حدثت في أعقاب الثورات والانتفاضات، فإن تلك المقالات مثلت في شأنها، خصوصية لم يقاربها أو يناقشها كاتب من قبل بمفهوم العمق والمسؤولية.
اتسمت تلك المقالات بالحماسة الشديدة للتحولات الجارية في المنطقة، وهي تؤكد ضرورة أن يكون المثقف منخرطاً في هذه الثورات والانتفاضات، مدافعاً صلباً عنيداً، عن الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وحاملاً لرسالة سياسية اجتماعية، لا مجرد مراقب للعالم من حوله، يقوم بوظيفته الإبداعية منسحباً إلى برجه العاجي.
طيلة أشهر من عمر الثورات العربية عموماً، والسورية خصوصاً، كانت هذه الزاوية: (أما قبل)، تناقش بنية المثقف العضوي الذي يرتبط مصيره بمصير الشعب، ولطالما كنا ننتقد الجهة الأخرى من المثقفين الذين اختاروا الاصطفاف مع الأنظمة، يدافعون عنها ويبررون أفعالها ويرون في حلولها الدموية عنفاً ثورياً مستورداً من رفاق الشيوعية السابقة. شيوعيون كانوا في مقاهيهم نموراً من ورق ينتقدون الأنظمة من باب التسلية الرفاقية، لكنهم اختاروا الوقوف مع النظام والدفاع عنه عندما قامت الثورات الحقيقية.
وعبر خطابات خشبية ساقطة أخلاقياً، انحاز مثقفو التبرير (الذين يبررون أفعال النظام)، عبر كتاباتهم ومواقفهم، إلى الأنظمة. ووقفوا ضد مثقفي التثوير، بينما لسان حالهم يقول في تبرير ذلك: إن هذه الثورات لا تمثلنا. وكأن الثورة عمل انتقائي يمكن الحصول عليه من لائحة المشتريات، وليست حاجة شعبية عفوية تبدأ بأبسط العبارات والكلمات التي تطالب بالكرامة والعدالة والحرية، والخبز بكل تأكيد.
عن الثورة والثقافة والسلطة يمكن كتابة ملايين الصفحات، وكذا مناقشة آلاف القضايا قبل اتخاذ موقف خاطئ واحد. ولكن للأسف، لم ينتظر المثقف (التبريري) قليلاً ليعرف الحقيقة، فسارع إلى تجنيد نفسه في خدمة الطغاة، وكأن الثقافة لم تحمه من الوقوع في مستنقع الوحل والعار.
في كتاب فخري صالح الكثير الذي يستحق أن يُقرأ ويناقش. وفي الواقع، تبدو الصورة الفعلية للمثقف، وقد عرّته مواقفه على حقيقتها، مشوهة ومليئة بالثقوب، أو ناصعة مليئة بالمعاني النبيلة. وطبعاً، لن يصعب على أحدنا، التفريق بين هاتين الصورتين.