القصف و التكسير و السرقة، ثلاث كلمات تلخص حال المتاحف السورية، التي دفعت من رصيدها التاريخي لمن يجهل قيمتها ومعناها ولمن تخطى جهله حدود التاريخ وفاق، بقلة علمه ودرايته، وحوش الغابات، ذاك الذي يوجه فوهة سلاحه نحو ذاكرة الإنسانية ويطلق النار على حضارات لولاها لما تطورت البشرية، لكنه جاهل بذلك والإنسان عدو ما يجهل.
لقد أظهر تقرير فريق "جمعية حماية الآثار السورية" وهي جمعية ليست حكومية تعرض اثني عشر متحفاً سورياً لأضرار مختلفة، شملت في أغلب الأحيان، حالات القصف والتكسير والسرقة، حيث متاحف سرقت منها تماثيل رخامية وخلعت فيها أبواب المخازن وهشمت الواجهات واقتلعت مجموعات الموزاييك ودمرت تماثيل عملاقة، وأصيبت أيقونات رائعة بالشظايا.
ما تفعله الحروب عبر الزمن، أكثر قسوة من مشهدها المباشر، لأن الأيام المقبلة ستكشف عن دمار لم يتسن للمتابعين أو المهتمين رصده، فالمناطق لا تزال ساخنة والحرائق مشتعلة، والأمان مفقود. ولعلها الظروف المناسبة التي يمكن فيها للصوص أن يضربوا ضربتهم، ليحملوا ما يزيد ثمنه عن ملايين الدولارات، ويهربوه عبر الحدود نحو عالم مجهول النوايا.
في واقعة تعد الأشهر، تعرض متحف قلعة جعبر في الرقة للسرقة، حيث نهبت دمى أثرية( عددها 17)، تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، كانت قد اكتشفت خلال حملات إنقاذ موقعي إيمار وتل السلنكحية، قبل بناء سد الفرات عام 1973. وتلك القطع لا تقدر بثمن، لكن من سرقها شريك في توجيه سلاحه نحو صدور الناس وتاريخهم وحضارتهم.
أين كان دور جمعية حماية الآثار الحكومية السورية التابعة لوزارة الثقافة والمديرية العامة للأثار والمتاحف؟ ولماذا تقاعست عن القيام بواجبها لتأمين وسائل الحماية اللازمة لضمان أمن المتاحف؟ وأين هو دور منظمات، مثل: اليونسكو الايكروم الايكوموس - الدرع الأزرق اتحاد الآثاريين العرب.. لماذا لم تضغط على أطراف النزاع، لمنع تحويل المواقع الأثرية والأوابد، كالمساجد والكنائس والقلاع والمتاحف، إلى ثكنات عسكرية ومراكز للقناصة ؟!
قبل الحرب كان في سوريا ثمانية وثلاثين متحفاً (متاحف أثرية، متاحف للتقاليد الشعبية، متاحف تخصصية)، تتوزع على غالبية المدن والمحافظات، وتضم في خزائنها مئات الآلاف من اللُقى والتحف الأثرية والتراثية التي تعود إلى أزمنة مختلفة، كما تضم أيضاً، أعمالاً نحتية ولوحات لفنانين سوريين معاصرين. إلا أن جميع تلك الكنوز اليوم في مهب الريح، والدليل ذلك الدمار الهائل لبنية حلب القديمة التي تدمي القلب، قلب من يعلم وليس من يجهل ويظلم. فهذا لا قلب له.